عادي عندك.. جريمة فالقانون: الحسابات الوهمية.. من التخفي خلف الشاشة إلى المساءلة القانونية

عصام سبادي

حساب باسم مستعار، صورة لا علاقة لها بصاحبه، وواجهة رقمية تمنح صاحبها شعورًا بأنه بعيد عن المحاسبة… هكذا تبدأ الحكاية أحيانًا. كلمة جارحة، اتهام خطير، صورة تُنشر دون إذن، تهديد في رسالة خاصة، أو محاولة للضغط على شخص من خلف شاشة. ما يعتبره البعض مجرد “لعب على الإنترنت”، قد يتحول إلى مسؤولية قانونية عندما يتجاوز حدود التعبير ويدخل في أفعال تمس حقوق الآخرين.

الحساب الوهمي في حد ذاته لا يعني تلقائيًا ارتكاب جريمة، وهذه نقطة أساسية حتى لا يتم الخلط بين استعمال اسم مستعار وبين ارتكاب فعل مخالف للقانون. فهناك من يستخدم هوية رقمية مختلفة لحماية خصوصيته أو لأسباب شخصية. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الحساب إلى وسيلة للإساءة إلى الآخرين، أو التشهير بهم، أو المس بحياتهم الخاصة، أو انتحال هويتهم، أو تهديدهم أو ابتزازهم، بحسب طبيعة الأفعال والوقائع المثبتة.

واللافت أن بعض مستخدمي مواقع التواصل يتعاملون مع الحسابات الوهمية وكأنها مساحة مفتوحة لفعل أي شيء دون تبعات. يكتب ما يريد، يوجه اتهامات، ينشر صور الآخرين، يستعمل أسماءهم، أو يرسل رسائل تهديد، ثم يعتقد أن حذف الحساب أو تغيير الاسم كفيل بإنهاء القصة. لكن المسؤولية لا ترتبط فقط بالاسم الظاهر على الشاشة، وإنما بالفعل المرتكب والآثار التي يمكن أن يتركها في الفضاء الرقمي.

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بانتحال هوية شخص آخر. استعمال اسم شخص أو صورته أو معطياته لإنشاء حساب يوهم الآخرين بأنه صاحب الحساب الحقيقي قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية، خصوصًا إذا استُعملت الهوية المنتحلة للإساءة أو التضليل أو الإضرار بصاحبها. وهنا لا يعود الأمر مجرد “حساب فيسبوك”، بل سلوكًا يمكن أن تكون له تبعات بحسب تفاصيل الواقعة.

أما عندما يتحول الحساب إلى وسيلة للتهديد أو الابتزاز، فالأمر يأخذ منحى أكثر خطورة. فالرسالة التي يعتقد صاحبها أنها ستختفي في ثوانٍ، أو الحساب الذي يظن صاحبه أنه محصّن خلف اسم مجهول، لا يلغي بالضرورة إمكانية البحث في مصدر الأفعال والظروف المحيطة بها. وفي حال وجود شكاية وفتح بحث، يمكن للجهات المختصة التعامل مع المعطيات والآثار الرقمية وفق المساطر القانونية المعمول بها.

لكن في المقابل، هناك خط أحمر آخر يجب احترامه: لا يجوز تحويل الشك إلى إدانة. مجرد وجود حساب مجهول أو تشابه في الأسلوب أو الاعتقاد بأن شخصًا معينًا يقف خلفه لا يكفي لاتهامه بارتكاب جريمة. تحديد المسؤولية يحتاج إلى إثبات، وكل واقعة يجب أن تُدرس وفق ظروفها وأدلتها وتكييفها القانوني.

الخلاصة بسيطة: الاختباء خلف شاشة لا يمنح صاحبه حق الإساءة إلى الآخرين. قد يكون الاسم مستعارًا، والصورة مزيفة، والحساب مجهولًا بالنسبة للمتابعين، لكن ذلك لا يعني أن كل ما يُنشر من خلاله مباح. وبين حرية استعمال الفضاء الرقمي وبين الاعتداء على حقوق الآخرين، توجد حدود قد يكون تجاوزها مكلفًا قانونيًا.

عادي عندك.. جريمة فالقانون؛ سلسلة تضع العادات والممارسات اليومية أمام سؤال بسيط: واش فعلاً اللي كنعتابروه عادي.. القانون حتى هو كيشوفو عادي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد