من التخليق إلى “التحليق” السياسي…حين تتحول المبادئ الحزبية إلى مجرد أوراق انتخابية

أشرف بونان

 

كان من بين الرهانات التي جرى التأكيد عليها في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، ترسيخ تخليق الحياة السياسية وتشبيبها، بما يعيد للعمل الحزبي مكانته ويمنح المؤسسات المنتخبة نفساً جديداً، ويجعل الممارسة السياسية قائمة على الكفاءة والالتزام بالمبادئ وخدمة الصالح العام، لا على الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية.

غير أن المتابع للمشهد السياسي، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية، قد يجد نفسه أمام مفارقة صارخة بين الخطاب حول تخليق الحياة السياسية وبين واقع ميداني يبدو فيه أن البعض استبدل كلمة “التخليق” بـ”التحليق”؛ تحليق سياسي من حزب إلى آخر، ومن موقع إلى موقع، ومن تحالف إلى نقيضه، وفقاً لما تقتضيه المصلحة الانتخابية والظرفية السياسية.

فما معنى أن يكون لكل حزب مبادئ وبرامج ومرجعيات، ثم نجد بعض الفاعلين ينتقلون بين الأحزاب وكأن الأمر يتعلق بتغيير مقعد أو لافتة، دون أن تطرح أسئلة حقيقية حول الانسجام السياسي والفكري؟ وما قيمة البرامج والمرجعيات الحزبية إذا أصبح الانتماء السياسي قابلاً للتغيير كلما تغيرت موازين القوة أو ظهرت فرصة انتخابية أفضل؟

المشكلة هنا ليست في الانتقال الحزبي باعتباره حقاً سياسياً وقانونياً، وإنما في تحول الانتقال من قناعة سياسية إلى آلية لحساب المصالح. فالممارسة الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب التي مر منها السياسي، ولا بعدد التحالفات التي عقدها، وإنما بمدى احترامه للمبادئ التي يقدمها للناخبين، وبقدرته على الدفاع عن اختياراته السياسية بوضوح وثبات.

والأقاليم الجنوبية، بما تحمله من رمزية وطنية واستحقاقات سياسية وتنموية كبرى، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نخب سياسية جديدة، شابة، مؤهلة، مستقلة في قرارها، وقادرة على الانتقال من منطق الأشخاص والعائلات والولاءات إلى منطق المؤسسات والبرامج والكفاءة.

أما أن يتحول المشهد إلى سباق نحو المواقع، وأن يصبح الحزب مجرد وسيلة للوصول، وأن تغلب الحسابات الشخصية على المبادئ، فذلك لا يخدم لا الأحزاب ولا الديمقراطية ولا صورة المؤسسات المنتخبة.

لقد آن الأوان فعلاً للانتقال من “التحليق السياسي” إلى التخليق السياسي؛ من البحث عن المصلحة الخاصة إلى خدمة المصلحة العامة، ومن منطق الولاءات المتحركة إلى منطق الالتزام السياسي، ومن صناعة الزعامات التقليدية إلى تشبيب حقيقي يفتح المجال أمام طاقات جديدة.

فالناخب لم يعد يبحث فقط عمن يرفع شعاراً انتخابياً أو يملأ منصة مهرجان، بل يريد أن يعرف: ماذا قدم هذا السياسي؟ ما هي مبادئه؟ وما الذي تغير في مواقفه؟ وهل غيّر الحزب لأنه اقتنع بمشروع سياسي جديد، أم لأن حساباته الشخصية تغيرت؟

إن تخليق الحياة السياسية ليس شعاراً موسمياً، ولا فقرة تزين الخطابات، بل هو امتحان حقيقي للنخب والأحزاب والفاعلين. وإذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب تجديداً للمشهد السياسي، فإن التجديد الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للمبدأ قبل المقعد، وللمشروع قبل الشخص، وللوطن قبل المصلحة الانتخابية.

وفي النهاية، قد يكون من المفيد أن نطرح السؤال بصراحة: هل نحن أمام تشبيب وتخليق للحياة السياسية، أم أمام إعادة تدوير للوجوه نفسها وهي تحلق من حزب إلى آخر؟

السؤال مفتوح، والإجابة لن تكون في الشعارات، وإنما فيما ستفرزه صناديق الاقتراع وفي مدى قدرة الأحزاب على تقديم نخب سياسية تؤمن بأن السياسة التزام ومسؤولية، وليست رحلة دائمة بحثاً عن موقع أكثر راحة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد