“إل باييس” تبحث عن فضيحة في المغرب.. فتجد نفسها أمام رواية تفضح عيوب التحقق الصحفي

يبدو أن بعض المنابر الإعلامية الإسبانية لم تعد تكتفي بمتابعة أخبار المغرب، بل أصبحت تتابعها بعين تبحث عن أي رواية يمكن أن تخدم صورة نمطية جاهزة، حتى لو تطلب الأمر غض الطرف عن أبسط قواعد التحقق الصحفي.

آخر فصول هذه الحكاية ارتبط بتقرير نشرته صحيفة “إل باييس” حول شابة مغربية قالت إنها لا ترغب في العودة من سبتة إلى المغرب، وقدمت روايتها باعتبارها قصة عن التضييق على النساء والدراسة واللباس.

غير أن المعطيات المتداولة حول مسار الشابة، وما يظهر من نشاطها المهني وحضورها على مواقع التواصل الاجتماعي، يطرح علامات استفهام جدية حول مدى التدقيق الذي سبق نشر التقرير.

فبحسب المعطيات الواردة، فإن الشابة سبق أن درست اللغة الإنجليزية في مؤسسات بطنجة ودبي، وخاضت تجربة مهنية في مجال عرض الأزياء، كما عاشت فترات خارج المغرب وتنقلت بين عدد من البلدان، من بينها تركيا وماليزيا وقطر والإمارات والسعودية وتونس، فضلا عن ظهورها في مناسبات وصور مختلفة داخل المغرب.

وهنا يبرز السؤال البسيط الذي يبدو أنه ضاع في زحمة السباق نحو القصة المثيرة: هل قامت الصحيفة بكل ما يلزم للتحقق من الرواية قبل تقديمها للرأي العام؟

فالتحقيق الصحفي لا يقوم على اختيار أكثر جزء درامية من قصة شخصية ثم بناء صورة كاملة لبلد بأكمله انطلاقا منه. كما أن صفحات مواقع التواصل، التي أصبحت مصدرا مفتوحا للمعلومات، كان بإمكانها أن تقدم للصحيفة خيوطا كافية لفحص الرواية ومقارنتها بالوقائع.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية تتعامل أحيانا مع المغرب وكأنه مادة جاهزة لإنتاج القصص ذات العناوين المثيرة: قصة عن الهجرة، وأخرى عن الحريات، وثالثة عن النساء، ورابعة عن الحدود… والمهم أن تكون النتيجة دائما في الاتجاه نفسه.

لكن عندما تتعارض التفاصيل مع الرواية المختارة، يبدو أن زر “التحقق” يتحول فجأة إلى زر “النشر”.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أي رواية لمجرد أنها مغربية، بل بالدفاع عن مبدأ مهني بسيط: القصة الصحفية تحتاج إلى تحقق، والرواية الفردية تحتاج إلى سياق، والاتهامات الخطيرة تحتاج إلى أدلة، خصوصا عندما يتم توظيفها لتكوين صورة عامة عن مجتمع بأكمله.

وإذا كانت “إل باييس” قد بنت تقريرها على شهادة شخصية، فإن من حق القارئ أن يعرف أيضا ما الذي قامت به الصحيفة للتحقق من خلفية صاحبة الشهادة، وما إذا تم عرض الوقائع المتعارضة معها، وما إذا حصلت على ردود من الأطراف المعنية.

المشكلة، إذن، ليست في انتقاد المغرب، فالنقد حق مشروع وضروري، وإنما في أن يتحول النقد إلى قالب جاهز، ثم يتم البحث عن القصة التي تناسبه.

وهكذا يجد القارئ نفسه أمام مفارقة صحفية لافتة: صحيفة يفترض أن يكون اسمها مرتبطا بالتدقيق والتحقيق، لكنها تجد نفسها في مواجهة أسئلة كان يمكن تفاديها بقليل من البحث قبل الضغط على زر النشر.

وفي زمن أصبحت فيه صورة واحدة على الإنترنت قادرة على نسف رواية كاملة، لم يعد من الصعب اكتشاف التناقضات. الصعب فقط هو الاعتراف بها عندما لا تخدم القصة التي تم اختيارها مسبقا.

باختصار، لا يحتاج الإعلام إلى مزيد من القصص عن المغرب بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الصحافة المهنية حول المغرب. أما تحويل كل رواية فردية إلى حكم شامل على بلد بأكمله، فذلك ليس تحقيقا صحفيا بقدر ما هو بحث عن حبكة جاهزة… والواقع، للأسف، لا يلتزم دائما بالسيناريو الذي يريده الصحفي.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد