رحيل وردية يعرّي اختلالات الصحة في أزيلال: حين يصبح العلاج رحلة شاقة وقد لا تصل النهاية

لم تكن مأساة الطفلة وردية مجرد حالة مرضية انتهت بالوفاة، بل واقعة تضع واقع الخدمات الصحية في المناطق الجبلية أمام مرآة لا تسمح بالكثير من التجميل. فقد اضطرت ابنة منطقة تباروشت بإقليم أزيلال إلى التنقل بين أزيلال وبني ملال، قبل أن تصل إلى الدار البيضاء بحثا عن علاج قد يمنحها فرصة للنجاة.
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي دفنه مع وردية: كيف يمكن الحديث عن عدالة صحية بينما يضطر مريض من قرية جبلية إلى قطع مئات الكيلومترات حتى يجد مؤسسة قادرة على التكفل بحالته؟
المشكلة لا تتعلق فقط بوفاة طفلة، ولا يجوز إصدار أحكام مسبقة بشأن المسؤولية الطبية دون تحقيق ومعطيات دقيقة، لكنها تكشف بوضوح عن مفارقة مؤلمة: هناك مواطنون يعيشون في مناطق لا تزال فيها أبسط حقوق القرب من العلاج رهينة بالمسافة والإمكانات ووسائل التنقل.
من أزيلال إلى بني ملال، ثم إلى الدار البيضاء، لم تكن وردية تنتقل بين مدن سياحية بحثا عن الأفضل، بل كانت تنتقل بحثا عن العلاج. وكل محطة في هذه الرحلة تفتح سؤالا حول جاهزية المنظومة الصحية محليا، وحول ما إذا كانت الإحالات الطبية تتم في ظروف تضمن السرعة والفعالية، أم أن المواطن يظل الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الانتظار والتنقل.
والأكثر إثارة للقلق أن الحديث عن تقليص الفوارق المجالية يصبح بلا معنى إذا ظلت ساكنة المناطق الجبلية مضطرة إلى مغادرة أقاليمها عند كل حالة صحية معقدة. فالمواطن الذي يدفع الضرائب ويعيش داخل هذا الوطن لا يفترض أن يكون موقع منزله سببا في حصوله على خدمة صحية أقل جودة أو أبعد مسافة.
كما أن المسؤولية لا ينبغي أن تختزل في الأطباء أو العاملين بالمستشفيات، الذين لا يمكن تحميلهم وحدهم تبعات اختلالات بنيوية تحتاج إلى قرارات واستثمارات وتخطيط. السؤال الحقيقي يتجه نحو السياسات العمومية: ماذا تحقق فعليا من الوعود المتعلقة بتقريب الخدمات الصحية؟ وأين هي التجهيزات والموارد البشرية والبنيات القادرة على الاستجابة لحاجيات سكان المناطق الجبلية؟
رحيل وردية يستحق أكثر من التعاطف المؤقت والمنشورات الحزينة. إنه يستحق فتح نقاش جدي ومسؤول حول مسار التكفل بها، دون استباق نتائج أي تحقيق، وتحديد مكامن الخلل إن وجدت، حتى لا تتحول المأساة إلى رقم جديد في سجل الحالات التي تمر ثم تنسى.
فأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول قصة طفلة من تباروشت إلى مأساة عابرة، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه. عندها لن يكون السؤال فقط: لماذا رحلت وردية؟ بل سيكون السؤال الأكثر إيلاما: ماذا تغير بعد رحيلها؟
لأن العدالة الصحية لا تقاس بعدد المستشفيات التي تظهر على الورق، ولا بالشعارات التي ترفع في المناسبات، وإنما بقدرة مواطن يعيش في قرية نائية على الحصول على العلاج في الوقت المناسب، دون أن تتحول المسافة بين بيته والمستشفى إلى امتحان جديد للحياة.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد