ممر الراجلين يفضح ثقافة الطريق.. لماذا يُحترم في الشمال ويُدهس في مدن أخرى؟ ومن المسؤول؟

عصام سبادي

 

هنا تبدأ الحكاية من خطوط بيضاء على الإسفلت، لكنها تنتهي بسؤال أسود لا يبدو أن أحداً يريد الإجابة عنه: لماذا يستطيع مستعملو الطريق في بعض مدن شمال المملكة أن يتعاملوا مع ممر الراجلين باعتباره قاعدة لا مجال لتجاهلها، بينما يتحول الممر نفسه في مدن أخرى إلى مجرد خطوط تمر فوقها السيارات والدراجات، ويقفز فوقها الراجلون أنفسهم وكأن وجودها لا يعني شيئاً؟ هل القواعد تتغير من مدينة إلى أخرى، أم أن الذي يتغير هو احترامنا لها؟ والأكثر إحراجاً: إذا كان السائق يطالب الراجل باحترام الممر، والراجل يطالب السائق بالتوقف عنده، فلماذا لا يحترم أيٌّ منهما القاعدة حين تكون مصلحته في الاتجاه المعاكس؟

المشهد يكشف مفارقة أكبر من مجرد مخالفة مرورية. فبعض السائقين يتعاملون مع ممر الراجلين وكأنه مساحة إضافية للطريق، فيتجاوزونه أو يقفون فوقه أو يمرون دون الانتباه الكافي لمن يريد العبور، بينما يختار بعض الراجلين بدورهم أقرب نقطة إلى وجهتهم، حتى ولو كان الممر على بعد أمتار قليلة. هنا يصبح السؤال محرجاً للطرفين معاً: هل نريد من القانون أن يحمي حقوقنا فقط عندما نكون نحن المستفيدين منه؟ وهل يمكن لسائق أن يطالب الآخرين بالانضباط وهو يتجاوز القاعدة، أو لراجل أن يطالب السائق باحترام حقه في العبور بينما هو نفسه يرفض استعمال المكان المخصص لذلك؟ وإذا كان الجميع يعرف أين يوجد الممر، فلماذا يتصرف البعض وكأنه لم يره؟

واللافت أن مدناً معينة تُظهر أن احترام هذه القاعدة ليس أمراً مستحيلاً؛ فحين يقترب الراجل من الممر، تتغير طريقة تعامل مستعملي الطريق معه، وحين يكون الممر واضحاً ويقابله سلوك منضبط، يصبح العبور أكثر تنظيماً وأقل توتراً. فلماذا ينجح الأمر هنا ويتعثر هناك؟ هل المسألة مرتبطة بالتوعية فقط؟ أم بالمراقبة؟ أم بأن بعض مستعملي الطريق لم يتجاوزوا بعد عقلية أن القاعدة موجودة دائماً لتقييد الآخرين؟ وماذا يعني أن يتوقف السائق فقط عندما يخشى المخالفة، وأن يستعمل الراجل الممر فقط عندما يخشى الخطر؟ أليس المطلوب أن يتحول احترام القاعدة إلى سلوك طبيعي حتى في غياب الشرطي والكاميرا؟

في النهاية، ممر الراجلين ليس مجرد طلاء أبيض، ولا امتيازاً للسائق على حساب الراجل، ولا حصانة للراجل في مواجهة السائق؛ إنه نقطة تلتقي فيها مسؤولية الجميع. السائق مطالب باليقظة واحترام قواعد السير، والراجل مطالب بدوره باستعمال الممرات المخصصة والعبور بحذر، لأن الطريق لا يمنح أحداً حق المجازفة بحياة الآخرين. لكن الرسالة الأهم ربما تكمن في سؤال واحد: إذا كنا نريد شوارع آمنة، فلماذا يبدأ كل واحد منا بإصلاح سلوك الآخر قبل أن يسأل نفسه عن سلوكه؟ وهل أصبح احترام القانون عند البعض مجرد حق نطالب به عندما يخدمنا، وواجباً نطالب الآخرين به عندما يخدمهم؟ ربما هنا تحديداً تكمن الحكاية الحقيقية لممر الراجلين: المشكلة ليست في الخطوط البيضاء وحدها، بل في العقلية التي لا تراها إلا عندما تكون مصلحتها في رؤيتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد