ألف حالة انقطاع.. هل حان وقت تغيير طريقة التعامل مع الهدر المدرسي؟

عصام سبادي

لم يعد الهدر المدرسي في المغرب مجرد أرقام تُدرج في تقارير المؤسسات، بل أصبح سؤالاً مباشراً حول قدرة المنظومة التعليمية على الاحتفاظ بأبنائها قبل أن يتحول التعثر الدراسي أو الغياب المتكرر إلى مغادرة نهائية. فمعطيات اليونيسف بشأن مغادرة أكثر من 276 ألف تلميذ للمنظومة التعليمية خلال الموسم الدراسي 2024-2025 تعيد طرح السؤال من زاوية أكثر إلحاحاً: هل ما تزال المقاربة الحالية تتدخل بعد وقوع الانقطاع، بدل أن تتنبأ به وتحاصره قبل حدوثه؟ والأرقام نفسها تكشف أن الظاهرة ليست موزعة بالتساوي، إذ يتركز أكثر من نصف حالات الانقطاع في التعليم الإعدادي، بينما يمثل الذكور النسبة الأكبر من المغادرين. وهذا يعني أن الانتقال بين المراحل التعليمية، خصوصاً من الابتدائي إلى الإعدادي، قد يشكل لحظة حاسمة تستوجب يقظة أكبر، ليس فقط من خلال مراقبة النتائج الدراسية، وإنما عبر فهم أسباب الغياب والتعثر والظروف الاجتماعية والتربوية المحيطة بالتلميذ.

لكن اختزال الظاهرة في ضعف التحصيل الدراسي سيكون تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالتلميذ لا يعيش داخل القسم بمعزل عن محيطه، والمدرسة نفسها قد تكون جزءاً من المعادلة عندما لا تتوفر بعض المؤسسات، خصوصاً في الوسط القروي، على شروط مادية تساعد على الاستقرار والاستمرار. وتشير معطيات اليونيسف إلى تحديات مرتبطة بالماء والصرف الصحي والمرافق الصحية، فضلاً عن صعوبات خاصة تواجه الفتيات خلال فترة المراهقة، وهو ما يجعل جاذبية المدرسة مرتبطة أيضاً بمدى قدرتها على توفير بيئة آمنة وملائمة. وتزداد الصورة تعقيداً بالنسبة إلى الأطفال في وضعية إعاقة، حيث تكشف المعطيات المتاحة عن فجوة كبيرة في الولوج والاستمرار في التعليم. ومن هنا، فإن محاربة الهدر لا يمكن أن تكون مسؤولية الأستاذ وحده، ولا الأسرة وحدها، ولا المؤسسة التعليمية وحدها، بل تحتاج إلى مقاربة متكاملة تضع التلميذ في مركز الاهتمام وتتعامل مع مؤشرات الخطر قبل أن يصبح الانقطاع أمراً واقعاً.

وفي هذا السياق، تبدو فكرة الانتقال من منطق تسجيل المنقطع إلى البحث عن سبب انقطاعه أكثر أهمية من مجرد رفع عدد الإجراءات المتخذة بعد مغادرة المدرسة. واقتراح تطوير منظومة “مسار” لتحديد التلاميذ الأكثر عرضة للانقطاع، مع إمكانية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل المؤشرات، يمكن أن يفتح نقاشاً جديداً حول الوقاية المبكرة، شريطة أن تظل هذه الأدوات وسيلة للمساعدة في القرار التربوي، لا بديلاً عن التقدير الإنساني والتربوي. كما أن تنويع المسارات في التعليم الإعدادي وإدماج توجهات تقنية ومهنية ومهارات عملية قد يساعد على إعادة بناء علاقة بعض التلاميذ بالمدرسة، خصوصاً أولئك الذين لا يجدون في المسار الأكاديمي التقليدي ما يلائم ميولاتهم أو حاجاتهم. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات على تحويل مؤشرات الإنذار إلى تدخل فعلي: مواكبة فردية، دعم تربوي، تواصل مع الأسرة، ومعالجة الأسباب التي يمكن معالجتها قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

أما التحدي الأكثر حساسية، فيتعلق بمن غادروا المدرسة بالفعل. وهنا تبرز أهمية “مدارس الفرصة الثانية”، ليس باعتبارها مجرد فضاءات لاستيعاب المنقطعين، وإنما كجسر حقيقي يعيدهم إلى مسارات التعلم أو التكوين والاندماج. فالمطلوب ليس إنشاء مسار موازٍ منخفض الجودة، بل منظومة واضحة للحكامة والشهادات والجسور مع التعليم النظامي والتكوين المهني، حتى لا يصبح الانقطاع نهاية للمسار التعليمي. وتجربة نموذجية بالعرائش، التي أظهرت وفق الوثيقة المشار إليها نتائج إيجابية في بعض المؤسسات، تطرح بدورها سؤالاً أكبر: إذا كانت بعض النماذج قادرة على الاقتراب من منع الانقطاع، فلماذا لا يتم تقييم عناصر نجاحها بدقة واستثمارها حيثما تكون قابلة للتعميم؟ وفي النهاية، فإن مواجهة الهدر المدرسي لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد التلاميذ الذين تم تسجيلهم في بداية السنة، بل بعدد الذين تمكنت المنظومة من الحفاظ عليهم إلى نهايتها، وبعدد الذين حصلوا على فرصة ثانية عندما تعذر عليهم الاستمرار. فالتحدي الحقيقي ليس أن تبقى المدرسة مفتوحة، وإنما أن تبقى قادرة على فتح أبوابها أمام الجميع، خصوصاً أولئك الذين توجد مؤشرات مبكرة على أنهم قد يكونون أول من يغادرها.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد