أعادت كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أمام الملك محمد السادس، ملف سبتة ومليلية إلى دائرة الاهتمام السياسي، بعدما تضمنت إشارات تاريخية ودينية تحمل دلالات تتجاوز سياق المناسبة التي ألقيت فيها.
وخلال الحفل الديني الذي ترأسه الملك بالقصر الملكي في الرباط بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، استحضر التوفيق الحضور العلمي والديني لمدينة سبتة في التاريخ المغربي، متوقفا عند عدد من أعلامها، وفي مقدمتهم القاضي عياض وأبو العباس العزفي.
كما أشار الوزير إلى مؤلف “دلائل الخيرات” للإمام محمد بن سليمان الجزولي، وربط مكانته في الذاكرة المغربية بمراحل تاريخية شهدت تعبئة المغاربة من أجل استعادة مدن كانت خاضعة للسيطرة الإيبيرية.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية سياسية ورمزية بالنظر إلى أن استحضارها جاء في خطاب رسمي أمام الملك، وفي مناسبة دينية ذات حمولة تاريخية قوية، وهو ما يجعل مضمونها قابلا للقراءة خارج الإطار الديني المحض.
وتزداد دلالة الخطاب بالنظر إلى أنه يتقاطع مع مضامين سبق أن وردت في الرسالة الملكية الموجهة إلى المجلس العلمي الأعلى في شتنبر 2025، والتي استحضرت بدورها موقع “دلائل الخيرات” في الذاكرة المغربية وعلاقته تاريخيا بفكرة التعبئة لتحرير الأراضي التي كانت تحت الاحتلال.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة حديث وزير الأوقاف باعتباره إعادة تأكيد على حضور الذاكرة التاريخية المرتبطة بسبتة ومليلية داخل الخطاب الرسمي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال الملف إلى مرحلة جديدة على المستوى الدبلوماسي.
ويأتي هذا التطور في ظرف عاد فيه النقاش حول المدينتين إلى الواجهة السياسية، خصوصا بعد مواقف صادرة عن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، شدد فيها على تمسك المغرب بحقوقه التاريخية والجغرافية في سبتة ومليلية، مع التأكيد على أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تتم عبر الحوار مع إسبانيا.
في المقابل، ما زالت مدريد متمسكة بموقفها الرافض للمطالب المغربية، وتعتبر المدينتين جزءا من سيادتها.
وبين الموقف السياسي الصريح والاستحضار التاريخي ذي الحمولة الدينية، يبدو أن الرباط تحافظ على مقاربة متعددة المستويات تجاه الملف: تثبيت الارتباط التاريخي للمدينتين بالمغرب، والإبقاء على القضية حاضرة في الوعي والذاكرة الرسمية، مع عدم التخلي عن خيار الحوار في إدارة العلاقة مع إسبانيا.
واللافت في هذا السياق أن الإشارة إلى سبتة لم ترد في خطاب سياسي مباشر حول العلاقات المغربية الإسبانية، وإنما جاءت من بوابة التاريخ الديني والثقافي، وهو ما يمنحها بعدا رمزيا مختلفا، ويطرح تساؤلات حول حدود توظيف الذاكرة التاريخية في الخطاب الرسمي المرتبط بقضايا السيادة.
وبذلك، لا تبدو قضية سبتة ومليلية مجرد ملف دبلوماسي ظرفي، بل جزءا من سردية تاريخية وسيادية ما زالت حاضرة في الخطاب المغربي، مع استمرار اعتماد أدوات سياسية ودبلوماسية هادئة في التعامل مع إسبانيا.
