تتزايد المخاوف من التداعيات الاقتصادية المرتبطة بظاهرة النينيو، في ظل ارتفاع قياسي لدرجات حرارة المحيطات وتفاقم آثار التغيرات المناخية، وسط تقديرات تشير إلى إمكانية تكبد الاقتصاد العالمي خسائر مالية ضخمة قد تصل إلى عدة تريليونات من الدولارات.
وتعد ظاهرة النينيو من أبرز التقلبات المناخية الطبيعية التي يشهدها المحيط الهادئ، غير أن انعكاساتها لا تظل محصورة في المجال البحري، بل تمتد إلى مناطق واسعة من العالم، مخلفة اضطرابات في أنماط الطقس، من موجات الجفاف والفيضانات إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي.
ويرى باحثون في مجال المناخ أن التداعيات الاقتصادية لهذه الظاهرة يمكن أن تكون واسعة وطويلة الأمد، خصوصا بالنسبة للدول الواقعة في المناطق الاستوائية، حيث يرتبط جزء مهم من اقتصاداتها بالزراعة والموارد الطبيعية والقطاعات الحساسة للتغيرات المناخية.
وأظهرت أبحاث مناخية أن موجات النينيو القوية يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في النمو الاقتصادي للدول المتضررة، من خلال تعطيل الإنتاج ورفع تكاليف الغذاء والطاقة والنقل، فضلا عن الخسائر الناتجة عن الكوارث الطبيعية المرتبطة بالظاهرة.
ولا تقتصر الانعكاسات على القطاعات الإنتاجية، إذ يمكن أن تمتد أيضا إلى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد. وقد برز ذلك بشكل واضح مع تراجع منسوب المياه في بحيرة غاتون، التي تشكل مصدرا أساسيا للمياه اللازمة لتشغيل قناة بنما، ما أدى إلى تقليص عدد السفن المسموح لها بعبور القناة.
وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع حاد في تكاليف المرور عبر هذا الممر التجاري الحيوي، حيث وصلت رسوم عبور بعض السفن إلى نحو 2.5 مليون دولار، مقابل حوالي 800 ألف دولار في الظروف العادية، ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه التقلبات المناخية على التجارة العالمية.
وتشير دراسات علمية كذلك إلى أن قوة ظاهرة النينيو شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال العقود الماضية، حيث سجلت مستويات غير مسبوقة خلال الألفية الحالية، في مؤشر يزيد من المخاوف بشأن اتساع نطاق تداعياتها الاقتصادية والمناخية مستقبلا.
وتشكل النينيو ولا نينيا معا جزءا اساسيا من دورة مناخية تعرف باسم التذبذب الجنوبي، وتؤثر بشكل كبير في حركة الرياح والتيارات البحرية وتوزيع درجات الحرارة وهطول الأمطار حول العالم. ففي الوقت الذي ترتبط فيه النينيو بارتفاع حرارة المياه السطحية في أجزاء من المحيط الهادئ، تأتي لا نينيا في الاتجاه المعاكس، مع انخفاض درجات الحرارة في المناطق نفسها.
وتؤدي هذه التحولات إلى تغيرات واسعة في الظروف الجوية بين منطقة وأخرى، فقد تشهد بعض البلدان فترات طويلة من الجفاف، بينما تواجه مناطق أخرى امطارا غزيرة وفيضانات.
وسجل التاريخ المناخي الحديث عدة أمثلة على هذا التأثير، من بينها موجة الجفاف الطويلة التي شهدتها استراليا بين عامي 1996 و2010، والتي ارتبطت بفترات قوية من النينيو، قبل أن تنحسر مع انتقال الدورة المناخية نحو مرحلة لا نينيا.
ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيطات وتزايد حدة التغيرات المناخية، تتجه الأنظار بشكل متزايد إلى الاثار الاقتصادية المحتملة للظواهر المناخية الكبرى، خصوصا في الدول الأكثر هشاشة وقدرة محدودة على مواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية.
