البيض يعود إلى دائرة القلق بالمغرب.. تفشيات السالمونيلا بالخارج تثير تساؤلات حول سلامة السوق وصمت ONSSA

عاد البيض إلى واجهة النقاش حول سلامة المواد الغذائية، بعدما كشفت السلطات الصحية في عدد من الدول عن تفشيات مرتبطة ببكتيريا السالمونيلا، كان أبرزها في بلجيكا، حيث سجلت أكثر من 300 إصابة مرتبطة باستهلاك بيض ملوث، وسط عمليات سحب واسعة للمنتجات المعنية من الأسواق.

وتثير هذه التطورات مخاوف طبيعية لدى المستهلك المغربي، ليس فقط بسبب الانتشار الواسع للبيض في موائد الأسر، وإنما ايضا بسبب الدور الذي بات يلعبه هذا المنتج في ميزانية العائلات، بعدما تحول إلى واحد من أهم مصادر البروتين ذات الكلفة المقبولة مقارنة باللحوم والأسماك.

وفي الوقت الذي سارعت فيه السلطات الصحية في البلدان التي سجلت فيها الإصابات إلى تحديد مصادر التلوث وسحب المنتجات المعنية وإغلاق الوحدات المتورطة، يطرح المستهلك المغربي سؤالا مباشرا: ماذا عن البيض الموجود في الأسواق الوطنية؟ وهل تم تكثيف التحاليل للتأكد من خلوه من السالمونيلا؟ وهل توجد أي صلات تجارية بين السوق المغربية والأسواق التي شهدت عمليات السحب؟

وتفيد أحدث المعطيات القادمة من بلجيكا بأن تفشيا للسالمونيلا أصاب ما لا يقل عن 306 أشخاص، بعدما ربطت السلطات الصحية الإصابات ببيض مصدره مزرعة للدواجن في منطقة فلاندرز. وقد شملت عمليات السحب كميات كبيرة من البيض الذي جرى تسويقه في بلجيكا ولوكسمبورغ، مع تحذيرات من احتمال بقاء بعض المنتجات في منازل المستهلكين.

ولا تعني هذه الوقائع، في حد ذاتها، أن البيض المعروض في المغرب ملوث أو يشكل خطرا على صحة المستهلك. فلا توجد، وفق المعطيات الرسمية المتاحة حاليا، أدلة منشورة تثبت انتقال هذه البؤرة إلى السوق المغربية. غير أن طبيعة الأزمة تفرض، في المقابل، رفع درجة اليقظة، خصوصا أن السالمونيلا من المخاطر المعروفة المرتبطة بالبيض ومنتجاته.

وتزداد أهمية الموضوع في المغرب بالنظر إلى مكانة البيض داخل الاستهلاك اليومي. فقد أظهرت بيانات سوقية حديثة أن مبيعات البيض واصلت تسجيل نمو من حيث الحجم خلال 2025، مدفوعة بارتفاع أسعار اللحوم والأسماك وتوجه عدد أكبر من المستهلكين إلى مصادر بروتين أقل كلفة.

وهذا يعني أن أي اضطراب في سوق البيض، سواء بسبب مخاوف صحية أو عمليات سحب أو تراجع في ثقة المستهلك، يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأسر المغربية.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الصحي فقط، إذ شهدت أسعار البيض في عدد من الأسواق المغربية خلال غشت الجاري ارتفاعا جديدا، بعدما كانت قد تراجعت في بعض المناطق، حيث تراوح سعر البيضة في عدد من المدن بين 80 و90 سنتيما، ووصل في بعض الأسواق إلى درهم أو أكثر. وارتبطت هذه الزيادة، بحسب مهنيين، بعودة الطلب بعد فترة من ضعف الاستهلاك.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن ظهور مخاوف صحية جديدة يمكن أن يؤثر في السوق في اتجاهين متناقضين. فمن جهة، قد يؤدي انتشار أخبار عن تلوث البيض إلى تراجع الطلب، وهو ما قد يضغط على المنتجين والمربين ويؤثر في مداخيلهم. ومن جهة أخرى، فإن تشديد المراقبة وسحب أي منتجات مشكوك فيها يمكن أن يؤدي مؤقتا إلى تقليص العرض ورفع الأسعار، خصوصا إذا كان نطاق التدخل واسعا.

لكن السؤال الأكبر يظل مرتبطا بدور المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.

فالمعطيات الرسمية لـ ONSSA تؤكد أن قطاع البيض يخضع للمراقبة الصحية، وأن الرقابة تشمل مؤسسات معالجة البيض، ومراكز تعبئة البيض الموجه للاستهلاك، إضافة إلى نقاط البيع. كما تشترط المنظومة التنظيمية على الوحدات المعتمدة اعتماد أنظمة للمراقبة الذاتية والتتبع.

كما يندرج استيراد المنتجات الغذائية ضمن مجالات المراقبة التي يشرف عليها المكتب، وهو ما يجعل الرأي العام ينتظر توضيحات بشأن ما إذا كانت السلطات المغربية قد تحققت من أي ارتباط محتمل بين المنتجات المستوردة والأسواق التي سجلت فيها حالات التلوث.

غير أن اللافت حاليا هو غياب بلاغ حديث منشور على المنصة الرسمية لـ ONSSA يعلن وجود تلوث بالبيض في السوق الوطنية مرتبط بالتفشيات الأخيرة في أوروبا، أو يكشف للرأي العام عن نتائج تحاليل خاصة بهذه القضية.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإثارة الهلع، وإنما بحق المستهلك في الحصول على المعلومة.

ففي قضايا السلامة الغذائية، قد يكون الصمت الرسمي أكثر إثارة للقلق من الخبر نفسه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنتج يستهلك يوميا من طرف ملايين المغاربة. والمطلوب ليس فقط طمأنة المواطن، بل تقديم معلومات قابلة للتحقق: هل أجريت تحاليل إضافية على عينات البيض؟ ما هي نتائجها؟ هل تم فحص المنتجات المستوردة؟ وهل توجد أي شحنات أو علامات تجارية تم استبعادها أو سحبها احترازيا؟

كما أن الشفافية تصبح أكثر أهمية في ظل سرعة انتشار الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لخبر عن تفشي السالمونيلا في بلد أوروبي أن يتحول خلال ساعات إلى إشاعة تتحدث عن “بيض ملوث في المغرب”، حتى في غياب أي دليل على ذلك.

ومن شأن بلاغ رسمي واضح من ONSSA أن يقطع الطريق أمام الأخبار غير الموثوقة، سواء كانت تهول الخطر أو تقلل منه. فالمواطن لا يحتاج إلى التخمين، وإنما إلى معرفة ما إذا كان المنتج الموجود أمامه في السوق خاضعا للمراقبة وما إذا كانت التحاليل الأخيرة تؤكد سلامته.

وبالنسبة للمستهلك المغربي، فإن التطورات الحالية لا تعني ضرورة التخلي عن البيض أو مقاطعته. بل إن الخطر المرتبط بالسالمونيلا يمكن الحد منه من خلال احترام شروط الحفظ والطهي الجيد وتجنب تناول البيض النيئ أو غير المطهو بشكل كاف، مع الحرص على النظافة أثناء التعامل معه.

لكن المسؤولية الأكبر تبقى على عاتق منظومة المراقبة الصحية، بدءا من المزرعة ووصولا إلى مركز التعبئة والنقل ونقطة البيع.

إن تفشي السالمونيلا في الخارج يشكل فرصة لإعادة طرح سؤال أوسع في المغرب: هل منظومة مراقبة البيض قادرة على الاستجابة بسرعة للأزمات العابرة للحدود؟ وهل تصل المعلومات المتعلقة بنتائج المراقبة إلى المواطن بالسرعة نفسها التي تنتشر بها المخاوف؟

وفي انتظار توضيح رسمي من ONSSA، يبقى المؤكد أن ما يحدث في بعض الأسواق الخارجية لا يثبت وجود بيض ملوث في المغرب، لكنه في الوقت نفسه يبرر رفع مستوى اليقظة والرقابة، خصوصا أن البيض أصبح جزءا أساسيا من النظام الغذائي للأسر المغربية، وأي خلل في سلامته لن يكون مجرد قضية صحية، بل قد يتحول أيضا إلى أزمة ثقة تضرب المنتجين والتجار والمستهلكين في آن واحد.

المطلوب اليوم ليس تخويف المغاربة من البيض، وإنما طمأنتهم بالأدلة. فسلامة الغذاء لا تقاس فقط بغياب الحالات المعلنة، بل أيضا بقدرة الجهات المختصة على الكشف المبكر، والتدخل السريع، وإخبار المواطن بالحقيقة كاملة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد