من التخليق إلى التوريث.. هل تحولت الأحزاب السياسية إلى “شركات عائلية”

سيدي اسباعي

 

في وقت كان يفترض فيه أن تشكل الخطب الملكية السامية بوصلة منهجية لإصلاح المنظومة السياسية ونبراسا لتخليق الحياة الحزبية، تصطدم هذه التوجيهات بواقع تنظيمي مأزوم تهيمن عليه الممارسات العائلية والمحسوبية المقيتة.

لقد حث صاحب الجلالة في غير ما مناسبة على فتح الأبواب أمام الكفاءات والمواهب الشابة، وتطهير الخطاب والممارسة السياسيين من السلوكيات الانتهازية، إلا أن تعاطي بعض القيادات والنخب الحزبية مع هذه الدعوات المباشرة أظهر فجوة عميقة بين الشعار المرفوع والممارسة الميدانية.

في هذا الإطار، وبدلا من أن تترجم التوجيهات الملكية الداعية للتخليق إلى آليات شفافية وانتقاء ديمقراطي عادل، تحولت هذه المنظومة الانتخابية لدى فئات غير قليلة إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ وتوريث المواقع داخل الهياكل الحزبية.

ويظهر هذا الانحراف الجسيم بجلاء في الهندسة الانتخابية الترشيحية، حيث يعمد عدد من وكلاء اللوائح والمناضلين المتنفذين إلى التضحية بالكفاءات النضالية والأطر الشابة والتنكر لتاريخها، لفائدة استقطاب وتزكية الأبناء والبنات في مواقع التقدم على اللوائح، وتحديدا في مركز “وصيف وكيل اللائحة”.

وفي هذا السياق، يعكس تحويل هذا الموقع المفصلي، الذي يفترض أن يجسد التنافس الشريف والاستحقاق التنظيمي، إلى حكر على الدائرة العائلية المباشرة، وبوضوح عقلية إدارة “التركة الخاصة” وتسيير الحزب بمطق الشركة العائلية المغلقة.

وهذا التوريث الناعم للأدوار والمقاعد الانتخابية لا يجهض فقط التنافس الشريف داخل الهياكل الحزبية، بل يرسخ الانطباع بوجود إقطاعيات سياسية صغيرة تقتات على النفوذ المحلي والإقليمي على حساب الخدمة العامة.

كما أن التمادي في تعزيز منطق “العائلية” وتفصيل وصاية اللوائح على مقاس القرابة والمصادقة العائلية تفرغ عملية “التخليق” من جوهرها الحقيقي، وتحول السياسة من نضال ومسؤولية وإيثار إلى استثمار سلالي يحمي المصالح الشخصية ويلغي التداول السليم على السلطة.

ويفرز هذا الواقع نكوصا خطيرا يؤدي مباشرة إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطنين، وخاصة الفئات الشابة والعمل السياسي برمته، طالما أن معايير الصعود والاستحقاق أصبحت تقاس بمدى القرب من النسب العائلي ووكيل اللائحة، لا بالخدمة والمواطنة والخبرة.

جدير بالذكر، أن هذه السلوكيات الحزبية تعد بمثابة انتكاسة صريحة في وجه مشروع البناء الديمقراطي والمفهوم الجديد للسلطة والسياسة الذي تدعو إليه المؤسسة الملكية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد