سيدي اسباعي
يطرح الخلود السياسي داخل قبة البرلمان سؤالا حارقا حول مدى صدقية التداول الديمقراطي ومدى نجاعة ربط المسؤولية بالمحاسبة، حين يتحول المقعد التشريعي إلى ما يشبه الانتداب الدائم أو الحق المكتسب.
إن تجربة البرلماني الاستقلالي عبد العزيز أبا بمدينة بوجدور، الذي يتردد على قبة البرلمان منذ ثمانينيات القرن الماضي ولزهاء 42 سنة متواصلة، تعيد إلى الأذهان حقبا زمنية لم نعتد على رؤيتها إلا في قصص الحكام الشموليين ورؤساء الأنظمة المطلقة الذين أمضوا عقودا طويلة في سدة الحكم دون تغيير.
هذه المقارنة، وإن كانت تحمل في جوهرها قدرة كبيرة على التعرية السياسية، فإنها تضع المشهد الحزبي والانتخابي أمام مرآة كاشفة لواقع تكلس الوجوه وغياب الدينامية الداخلية في التجديد والتشبيب.
إن استمرار الفاعل السياسي نفسه في شغل الموقع ذاته لأكثر من أربعة عقود يفرغ الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة من معناها التنافسي، ويحول صندوق الاقتراع إلى أداة لإعادة إضفاء المشروعية على النفوذ نفسه بدلا من أن يكون آلية للتجديد والتقييم.
فعندما تحتكر التزكيات والمواقع القيادية على مستوى الدوائر المحلية لصالح أسماء كلاسيكية ترفض المغادرة أو التنحي، توصد الأبواب تماما أمام الطاقات الشابة والأطر المتعلمة التي تسعى للمساهمة في تنمية مناطقها.
فهذا الاحتكار التاريخي لا يكرس فقط “الخلود البرلماني”، بل يصنع بيئة إحباط عامة تشجع على العزوف السياسي وترسخ الانطباع بكون العمل البرلماني مجرد تركة خاصة أو وظيفة مدى الحياة لا تأبه بالتغيير ولا بالتحولات المجتمعية.
وفي هذا السياق، تتحمل الأحزاب الوطنية وفي مقدمتها حزب الاستقلال المسؤولية الأخلاقية والسياسية بشأن الاستمرار في دعم مثل هذه الظواهر المشينة، حيث يغلب منطق حصد المقاعد وضمان الأعيان على حساب المبادئ الديمقراطية وتداول السلطة التنظيمية.
كما أن تخليق الحياة السياسية الذي تدعو إليه التوجيهات الرسمية لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود بيئة تمكين تجعل من المقاعد البرلمانية إقطاعيات دائمة، وتحرم المؤسسة النيابية من دماء جديدة وقادرة على مواكبة تحديات العصر.
جدير بالذكر، أن فتح نقاش جاد وجريء حول تسقيف الولايات البرلمانية وتفعيل آليات الشفافية في منح التزكيات أضحى ضرورة ملحة، حتى لا تظل مقاعد البرلمان حكرا على وجوه تتشبه في ثباتها حكايات الخلود السياسي التي طويت صفحاتها في كتب التاريخ.
