رحيل الشيخ لارباس ولد الشيخ محمد الأغظف ولد الشيخ ماء العينين…مسيرة رجل من رجالات الصحراء المغربية ورمز من رموزها
أشرف بونان
رحل إلى دار البقاء صبيحة يوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026 الشيخ الجليل لارباس ولد الشيخ محمد الأغظف ولد الشيخ ماء العينين، و بذلك تفقد الصحراء المغربية واحداً من الوجوه التي ارتبط اسمها لسنوات طويلة بمكانة اجتماعية ودينية وسياسية جعلت منه شخصية حاضرة في ذاكرة أجيال من أبناء المنطقة.
لم يكن الشيخ لارباس مجرد اسم عابر في المشهد الصحراوي، بل كان واحداً من أبناء أسرة الشيخ ماء العينين، وهي الأسرة التي ارتبط تاريخها العلمي والديني والاجتماعي بتاريخ الصحراء المغربية، وامتد حضورها عبر أجيال في مجالات العلم والإرشاد والوساطة الاجتماعية وخدمة قضايا المنطقة.
وقد شغل الراحل منصب رئيس المجلس العلمي المحلي بمدينة العيون، وهو موقع يعكس المكانة العلمية والدينية التي حظي بها، كما كان معروفاً بحضوره في الحياة العامة وبعلاقاته الواسعة مع مختلف مكونات المجتمع الصحراوي. وقد سبق لمصادر صحفية أن صنفته ضمن الوجوه الصحراوية البارزة والمؤثرة، إلى جانب أسماء كان لها حضور قوي في مسارات المنطقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وترتبط سيرة الشيخ لارباس كذلك بمرحلة مهمة من تاريخ الحياة السياسية بالصحراء. فقد ورد اسمه ضمن عدد من أبناء المنطقة الذين انخرطوا في العمل الوطني والسياسي خلال مراحل مبكرة، كما أشارت شهادات منشورة إلى دوره في تأسيس وترؤس هياكل حزبية في عدد من مناطق الصحراء، من بينها السمارة، إلى جانب شخصيات صحراوية أخرى ساهمت في تأطير الحياة السياسية بالمنطقة خلال العقود الماضية.
غير أن اختزال مسيرة الرجل في العمل السياسي أو في المناصب التي تقلدها لا يعكس حقيقة حضوره. فالشيخ لارباس كان ينتمي إلى جيل من أعيان الصحراء الذين كانت لهم أدوار تتجاوز السياسة بمفهومها الضيق، لتشمل الإصلاح الاجتماعي، والحضور الديني، وتقريب وجهات النظر، والحفاظ على روابط المجتمع وتقاليده، وهي أدوار ظلت للأعيان والشيوخ مكانة خاصة فيها داخل المجتمع الصحراوي.
ومن مظاهر استمرار هذا الحضور، بقاء زاوية الشيخ لارباس في مدينة العيون فضاءً للقاء والتواصل وإحياء التقاليد الدينية والاجتماعية، حيث تحدثت شهادات حديثة عن إقامة الصلاة وقراءة الحزب الراتب واستقبال الضيوف بها، في مشهد يعكس استمرار الدور الروحي والاجتماعي لهذه الزاوية.
كما تكشف الشهادات المنشورة عن علاقات واسعة جمعت الراحل بعدد من الشخصيات والأعيان والفاعلين في الصحراء، وهي علاقات يبدو أنها تجاوزت الحسابات السياسية الظرفية، وقامت على روابط اجتماعية وإنسانية امتدت لعقود. وقد ورد اسم الشيخ لارباس في شهادات تتحدث عن صداقات متينة بينه وبين عدد من رجالات الصحراء، وعن مكانته داخل شبكة العلاقات التقليدية التي ظلت تشكل جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي للمنطقة.
إن رحيل الشيخ لارباس لا يمثل فقط فقدان شخصية دينية أو اجتماعية، وإنما يشكل أيضاً نهاية فصل من فصول جيل من رجالات الصحراء الذين عاصروا تحولات عميقة عرفتها المنطقة، وانتقلوا بها من زمن مختلف تماماً إلى واقع جديد، وظلوا يحملون معهم ذاكرة المكان وأعرافه وعلاقاته وتقاليده.
وإذا كانت المناصب والأدوار الرسمية قابلة للتعداد، فإن أثر الرجال في مجتمعاتهم لا يقاس دائماً بالمناصب. فهناك شخصيات تترك وراءها شبكة واسعة من العلاقات والذكريات والمواقف، وتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية. ويبدو أن الشيخ لارباس كان واحداً من هؤلاء، بالنظر إلى تعدد الشهادات التي تستحضر اسمه باعتباره من أعيان ورموز المجتمع الصحراوي.
وبوفاته، تستحضر العيون والصحراء المغربية مسيرة رجل ظل اسمه مرتبطاً بالعلم والمكانة الاجتماعية والحضور الوطني، وبأسرة الشيخ ماء العينين التي كان لها حضور تاريخي بارز في المنطقة.
رحم الله الشيخ لارباس ولد الشيخ محمد الأغظف ولد الشيخ ماء العينين، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وخدمة وإصلاح في ميزان حسناته، وألهم أبناءه وأسرته وذويه ومحبيه وسائر أبناء الصحراء المغربية جميل الصبر والسلوان.
