أزمة الثقة بين المسؤول والمرتفق..

ر.ن
من أكثر الإشكالات تعقيداً في علاقتنا بالإدارة اليوم، تلك الأزمة الصامتة التي أخذت تتسع بين المسؤول والمرتفق. وهي أزمة يصعب اختزالها في سبب واحد، كما يصعب فهمها من خلال الوقائع الإدارية وحدها، لأنها في جوهرها أزمة ثقة وتواصل ونظرة متبادلة.
فالمرتفق الذي يقصد الإدارة يفترض، بطبيعة الحال، أنه أمام مؤسسة وجدت لخدمته وتطبيق القانون وتيسير قضاء مصالحه. والمسؤول، من جهته، يفترض أن المواطن الذي ينتقد أداء الإدارة إنما يمارس حقه في إبداء الرأي والتنبيه إلى مكامن الخلل، ما دام نقده قائماً على وقائع وبعيداً عن التجريح.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الملاحظة إلى خصومة، والنقد إلى اتهام، والسؤال عن أداء المرفق إلى بحث عن هوية الشخص الذي وجه الملاحظة ودوافعه.
ولعل من أكثر المواقف إثارة للتساؤل أن يقوم مواطن أو فاعل مهني بالتنبيه إلى تعثرات حقيقية وأعطاب تمس سير بعض الإدارات، فيكون المنتظر أن ينصرف النقاش إلى جوهر ما كُتب: هل الوقائع صحيحة؟ هل هناك اختلال فعلاً؟ ما أسبابه؟ وكيف يمكن إصلاحه؟
غير أن رد الفعل قد يأخذ أحياناً اتجاهاً مختلفاً تماماً؛ فيصبح السؤال: من يقف وراء هذا الشخص؟ ومن يدفعه إلى الكتابة؟ ولماذا يوجه هذه الانتقادات؟
وهنا نكون قد انتقلنا، من حيث لا نشعر، من مناقشة المشكلة إلى محاكمة صاحب الملاحظة.
وهذا المنطق لا يساعد على حل الإشكال، بل قد يزيده تعقيداً. فليس مهماً دائماً أن نعرف من يقف خلف الملاحظة بقدر أهمية أن نعرف ما إذا كانت الملاحظة نفسها صحيحة أم لا.
إذا كان المواطن مخطئاً، فالحجة والوقائع كفيلتان بتصحيح خطئه. وإذا كان محقاً، فإن أفضل رد على انتقاده ليس الدخول معه في خصومة، وإنما معالجة الخلل الذي أشار إليه.
إن المسؤول الذي يتعامل مع النقد باعتباره فرصة للمراجعة والتصحيح لا يفقد هيبته، بل يعززها. كما أن المواطن الذي ينتقد الإدارة بأدب ومسؤولية لا ينبغي أن يُنظر إليه بالضرورة باعتباره خصماً لها، فقد يكون، في كثير من الأحيان، أكثر حرصاً عليها من أولئك الذين يفضلون الصمت.
فالإدارة ليست ملكاً للمسؤول، كما أن المسؤول ليس خصماً للمرتفق. كلاهما يوجد داخل منظومة واحدة، غايتها خدمة الوطن والمواطن، واحترام القانون، وتحقيق المصلحة العامة.
ومن هنا، فإننا في حاجة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تبدأ من الإنصات، والشفافية، والاعتراف بالخطأ عندما يكون موجوداً، والقدرة على التمييز بين النقد الذي يستهدف الأشخاص والنقد الذي يستهدف الاختلالات.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد