سيدي اسباعي
كشفت معطيات صادرة عن وزارة الصحة المغربية، عن معاناة نحو 6.5 ملايين مغربي من اضطرابات نفسية، ومن بينهم مليونان من الأطفال والشباب، صدمة حقيقية داخل الأوساط المجتمعية والطبية، واضعة المتابعين أمام جرس إنذار صريح يمس مباشرة أثمن سرمايل يملكه المغرب والمتمثل في عنصره البشري.
وفي هذا الإطار، معنى أن تطال هذه الاعتلالات النفسية نحو خمس الساكنة الإجمالية، وأن تستحوذ الفئات الفتية على ثلث الحالات تقريبا، فهذا مؤشر يستدعي قراءة متأنية تتجاوز مجرد سرد الأرقام إلى تفكيك الدوافع والتحولات التحتية التي أنتجت هذه الواقعة المريرة.
إن الوقوف على هذه النسب العالية، ولا سيما لدى الناشئة والشباب، يعكس في المقام الأول حجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المركبة التي تواجهها الأسرة المغربية اليوم؛ حيث يتداخل غلاء المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بين حاملي الشهادات مع حالة من الضبابية وتضخم التوقعات المستقبلية لدى الشباب.
فهذه الحالة من انسداد الآفاق أو الصعوبة في تحقيق الذات، تولد شحنات متواصلة من القلق والتوتر الاقتصادي النفسي، تجد صداها المباشر في سلوكيات الأطفال واستقرارهم العاطفي داخل البيئة الأسرية.
ولعل من أعمق الأسباب أثرا في هذه الظاهرة ذاك التحول الجذري في النمط الحياتي والتكنولوجي، حيث أضحى الشغف بالمنصات الرقمية والشاشات الذكية سلاحا ذو حدين.
ففي الوقت الذي أتاحت فيه هذه التكنولوجيا الانفتاح والمعرفة، تسببت من جهة أخرى في تعميق الاغتراب الاجتماعي وتآكل العلاقات الإنسانية المباشرة، فضلا عن تعريض الفئات الفتية لظواهر حديثة كالتنمر الإلكتروني، والمقارنات الهدامة، واضطرابات النوم الحادة، وهي عوامل تضعف المناعة النفسية للأطفال والشباب وتجعلهم أكثر عرضة للاكتئاب والانطواء.
وفي هذا السياق، لا يمكن بمعزل عن ذلك إغفال التراجع الحاصل في أدوار الوساطة والتأطير التقليدية، إذ لم تعد الأسرة الممتدة أو المدرسة بالقدرة الكافية نفسها على احتواء الهزات النفسية والنمائية للتلاميذ والشباب.
كما أن هذا الفراغ المؤسساتي والعاطفي ينضاف إليه خصاص ملموس في بنيات الرعاية النفسية بالقطاع العام، وقلة الأطباء والأخصائيين المعتمدين، مما يؤدي إلى تفاقم الحالات البسيطة وتحولها مع الوقت إلى اضطرابات أعمق بسبب غياب التدخل المبكر.
ورغم قساوة هذه الأرقام، فإن الجانب الإيجابي الخفي يكمن في كون ارتفاع نسبة التشخيص يعكس أيضا تدفقا جزئيا لنوع من الوعي المجتمعي؛ إذ بدأت بعض العائلات تتجاوز حاجز الخوف والوصمة المرتبطة بالمرض النفسي لطلب الاستشارة، بعدما كانت هذه الحالات تعزى سابقا لسنوات طويلة إلى عوامل مجهولة أو تُحاط بالتكتم والإنكار.
جدير بالذكر، أن هذا الرقم المهول لا يمثل مجرد إحصاء صحي عابر، بل هو مرآة تتطلب صياغة استراتيجية وطنية شاملة تضع الصحة النفسية في صلب السياسات العمومية، بدء من نشر الأخصائيين النفسيين في المؤسسات التعليمية، وتوسيع بنية الاستقبال الطبي، وصولاً إلى إطلاق برامج التوعية والدعم الأسري، حفاظا على مستقبل جيل بكامله يشكل عماد الغد وبانيه.
