قواعد جديدة على الطريق.. «التروتينيت» أمام تأطير قانوني واستثناء تقني لمركبات القوات العمومية

عصام سبادي

 

لم تعد «التروتينيت» والدراجات الكهربائية مجرد وسائل تنقل فرضت نفسها في الشوارع المغربية قبل أن تجد مكانها في النصوص التنظيمية، كما أن بعض المركبات المرتبطة بالمهام العمومية لم تعد خاضعة، وفق المقتضيات الجديدة، لجميع متطلبات التجهيز المفروضة على باقي المركبات. وبين الأمرين، يفتح مرسوم جديد نقاشاً واسعاً حول الطريقة التي أعادت بها السلطات التنظيمية ترتيب عدد من قواعد السير، وحول ما يعنيه عملياً إدخال وسائل تنقل حديثة إلى دائرة التأطير القانوني، مقابل إقرار استثناء تقني لفئة من المركبات.

ويتعلق الأمر بالمرسوم رقم 2.24.393 الصادر في 3 أكتوبر 2025، بتغيير المرسوم رقم 2.10.421 المتعلق بتطبيق أحكام القانون رقم 52.05 بشأن المركبات. ومن بين أبرز المستجدات التي جاء بها النص، إدراج المركبات التابعة للقوات العمومية ضمن المركبات غير الملزمة بالتجهيز بجهاز قياس السرعة وزمن السياقة، وهو ما يشمل، وفق المقتضيات الواردة في النص، مركبات الأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة والقوات المسلحة الملكية.

وهنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي استدعى هذا الاستثناء التقني، وهل يرتبط أساساً بخصوصية المهام والظروف التي تستخدم فيها هذه المركبات؟ والأهم، هل يمكن قراءة هذا المقتضى باعتباره إعفاءً من جهاز محدد فقط، أم أن البعض قد يذهب إلى تأويل أوسع لا يقوله النص؟

الجواب القانوني الأكثر دقة يقتضي التمييز بين الأمرين. فعدم إلزام مركبة بالتوفر على جهاز معين لقياس السرعة وزمن السياقة لا يعني، في حد ذاته، إسقاط قواعد السير الأخرى عنها أو منح سائقيها حرية غير محدودة في استعمال الطريق. لكن الإشكال الذي يستحق النقاش لا يرتبط فقط بما يقوله النص، بل أيضاً بكيفية فهمه وتطبيقه على أرض الواقع.

فإذا كان الجهاز وسيلة للتتبع والقياس، فما البدائل العملية التي تضمن تحقيق الغاية نفسها عندما لا يكون استعماله إلزامياً؟ وهل تكفي خصوصية المهام لتبرير اختلاف متطلبات التجهيز، أم أن طبيعة كل مهمة ينبغي أن تكون هي المحدد الأساسي؟ وهي أسئلة تطرح للنقاش حول التطبيق، لا حكماً على الجهات المعنية.

وفي الجهة المقابلة، وضع المرسوم وسائل التنقل الحديثة أمام مرحلة جديدة من التنظيم، بعدما أصبحت «التروتينيت» والدراجات ذات الدوس المساعد جزءاً واضحاً من المشهد اليومي للمدن المغربية. فالتأطير لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل أصبح مرتبطاً بأسئلة واقعية يطرحها الشارع يومياً: من يحدد شروط استعمال هذه الوسائل؟ وما حدود مسؤولية مستعملها؟ وكيف يمكن التوفيق بين حرية التنقل ومتطلبات السلامة؟ وماذا عن مطابقة المركبات للمواصفات التقنية قبل استعمالها على الطريق؟ فانتشار هذه الوسائل بسرعة أكبر من تطور الوعي بقواعد استعمالها جعل الحاجة إلى قواعد واضحة ومفهومة أكثر إلحاحاً.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تقني عابر، بل بمحاولة لإعادة ملاءمة قواعد السير مع واقع طرأت عليه تحولات واضحة؛ مركبات عمومية ذات طبيعة استعمال خاصة من جهة، ووسائل تنقل كهربائية جديدة فرضت حضورها في الشارع من جهة أخرى. ويبقى التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد النص: هل ستنجح المقتضيات الجديدة في تحقيق التوازن بين خصوصية المهام العمومية وحق باقي مستعملي الطريق في السلامة والوضوح؟ وهل سيكون تنظيم «التروتينيت» والدراجات الكهربائية كافياً لضبط واقع يتطور بسرعة، أم أن الشارع سيظل يسبق النصوص بخطوات؟ فالمرسوم وضع الإطار، لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عند التطبيق.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد