عصام سبادي
لم يعد النقاش حول النقل عبر التطبيقات في الدار البيضاء يبدو، وفق ما توثقه بعض المقاطع المتداولة، محصوراً في الشارع بين سائقي سيارات الأجرة وسائقي التطبيقات، أو في عمليات توقيف ومحاصرة يُفترض أن تتولاها الجهات المختصة وفق ما يسمح به القانون. الجديد الذي يستحق التوقف عنده هو انتقال بعض التحركات، بحسب ما يظهر في فيديو نشرته صفحة «صقور طاكسيات الدار البيضاء»، إلى مستوى آخر، بعدما ظهر أشخاص من أصحاب سيارات الأجرة وهم يتوجهون إلى مقر شركة تنشط في مجال النقل بواسطة التطبيقات ويوثقون حضورهم هناك. فهل نحن أمام تحول في طبيعة الاحتجاج المهني، أم أن المواجهة بدأت تأخذ شكلاً يتجاوز الشارع إلى مقرات الشركات نفسها؟
المسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن شركات النقل عبر التطبيقات ولا بمهاجمة مهنيي سيارات الأجرة، ولا يصح بأي حال تعميم سلوك يظهر في فيديو على عموم المهنيين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يحق لأي فئة مهنية، مهما كانت مشروعية مطالبها، أن تنتقل من الاحتجاج على نشاط منافس إلى التوجه نحو مقرات الشركات التي تقف وراء هذا النشاط؟ وإذا كان المهنيون يعتبرون أن بعض ممارسات النقل عبر التطبيقات مخالفة، أفلا يفترض أن تتم معالجة ذلك عبر السلطات والمؤسسات المخولة بالمراقبة واتخاذ الإجراءات؟ وأين تنتهي حرية الاحتجاج والتعبير عن الموقف المهني، وأين تبدأ الحاجة إلى تدخل الجهات المختصة لضمان ألا تتحول المواجهة إلى ضغط ميداني على شركات خاصة؟
والأكثر إثارة للتساؤل هو أن المشهد، إذا استمر بهذا الاتجاه، قد يعني أن ملف النقل عبر التطبيقات ينتقل من حرب في الشارع إلى مواجهة مفتوحة مع الشركات. فبعد توقيف السائقين ومحاصرتهم، بحسب ما تتداوله مقاطع ومنشورات مرتبطة بهذا الملف، هل سنكون أمام مرحلة يصبح فيها مقر الشركة نفسه هدفاً للتحركات الميدانية؟ ومن يحدد حدود هذه التحركات؟ وهل نحن أمام احتجاج مهني عابر، أم بداية تشكل قوة ضغط ميدانية ترى في نفسها طرفاً قادراً على مراقبة وملاحقة نشاط منافس خارج الآليات المؤسساتية؟ أسئلة لا تعني اتهام أي طرف، لكنها تفرض نفسها كلما خرج الخلاف من نطاق النقاش المهني إلى تحركات على الأرض.
والسؤال الذي يبقى موجهاً إلى الجهات المسؤولة هو: من يراقب حدود الصراع عندما يبدأ المتنازعون حول قطاع واحد في ممارسة أدوار تتجاوز الاحتجاج إلى التتبع الميداني؟ فإذا كانت هناك مخالفات مرتبطة بالنقل عبر التطبيقات، فالمطلوب أن تحددها الجهات المختصة وتتعامل معها وفق القانون، وإذا كانت هناك تجاوزات من أي طرف آخر، فالمبدأ نفسه يجب أن يسري عليها. أما أن ينتقل ملف النقل عبر التطبيقات من الشارع إلى أبواب مقرات الشركات، فإن الأمر يستحق أكثر من مجرد مشاهدة الفيديو والتفاعل معه؛ يستحق توضيحاً مؤسساتياً يجيب عن سؤال بسيط وحساس: من يملك حق المراقبة والتحرك الميداني في هذا الملف؟
