عصام سبادي
«صاحبي، ما غاديش نخليك بوحدك»… جملة قد تبدو في الحياة العادية عنواناً للوفاء والوقوف إلى جانب من نعرفه، خصوصاً عندما يجد صديق نفسه أمام القضاء ويطلب من شخص يثق به أن يشهد لصالحه. وهنا تبدأ واحدة من أخطر المناطق الرمادية في العلاقات اليومية: هل الوقوف مع الصديق يعني أن تقول ما ينفعه؟ أم أن هناك لحظة يصبح فيها التضامن معه تخلياً عن الحقيقة؟
المشكلة أن بعض الناس قد يدخلون إلى قاعة المحكمة بعقلية «غير نعاون صاحبي»، قبل أن يكتشفوا أن القضاء لا يبحث عن الصداقة ولا عن الخصومة، وإنما عن الحقيقة، وأن الشهادة ليست مجاملة اجتماعية يمكن تغيير مضمونها حسب مصلحة من نريد مساعدته.
قد يقول أحدهم: «راه ما طلب مني غير نوقف معاه»، أو «هو صاحبي وما نقدرش نشهد ضدو»، أو حتى «غادي نقول غير شي حاجة تخرجو من المشكل». لكن هنا بالضبط يجب التوقف. فالشاهد الذي يدلي بأقواله أمام القضاء لا يكون في جلسة عادية بين الأصدقاء، ولا يتحدث في مقهى أو في مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يقدم أقوالاً يفترض أن تساعد العدالة على الوصول إلى الحقيقة.
ولهذا فإن المسألة لا تتعلق بكون الشاهد يحب هذا الشخص أو يكرهه، وإنما بما إذا كان قد قال الحقيقة أم تعمد تغييرها على نحو من شأنه تضليل العدالة. والقانون المغربي لا يترك المسألة في منطقة غامضة. فشهادة الزور، وفق مجموعة القانون الجنائي، ترتبط بتغيير الحقيقة عمداً من طرف الشاهد، بعد حلف اليمين القانونية، وبما من شأنه تضليل العدالة لصالح أحد الخصوم أو ضده.
وهذا يعني أن مجرد معرفة المتهم أو وجود صداقة معه أو حتى الرغبة في مساعدته لا تجعل الشهادة زوراً تلقائياً؛ العنصر الحاسم هو أن يتعمد الشاهد تغيير الحقيقة في شهادته بالشكل الذي يضر بسير العدالة.
وهنا تظهر المفارقة التي قد لا ينتبه إليها كثيرون: قد تدخل المحكمة وأنت تعتقد أنك «تنصر صاحبك»، لكنك إذا اخترت أن تكذب من أجله، فأنت لم تعد مجرد صديق يحاول المساعدة، بل قد تكون قد وضعت نفسك في مواجهة مع مسؤولية قانونية مستقلة عن القضية التي جئت أصلاً لمساعدة صاحبك فيها. فالقضية لا تبقى محصورة في الشخص الذي يحاكم؛ فقد يصبح مضمون الشهادة نفسها موضوعاً للمساءلة إذا توفرت الشروط القانونية لشهادة الزور.
والأمر لا يتوقف عند اختلاق قصة كاملة من البداية إلى النهاية. فالمشكلة يمكن أن تكون أيضاً في تعمد تغيير حقيقة جوهرية، أو تقديم واقعة على غير حقيقتها، أو إخفاء الحقيقة بطريقة تدخل في نطاق الشهادة الكاذبة، متى توافرت الشروط التي يتطلبها القانون. لذلك فإن عبارة «ما كذبتش عليه بزاف» أو «غير بدلت شي تفصيل صغير باش نعاونو» ليست في حد ذاتها ضمانة، لأن السؤال القانوني لا يتعلق بمدى ضخامة الكذبة في نظر الشاهد، وإنما بطبيعة التغيير وعمديته ومدى تأثيره المحتمل على العدالة.
والأكثر خطورة أن البعض قد يتعامل مع الأمر وكأنه اتفاق بين صديقين: «أنا نعاونك اليوم، وغداً ترد لي الجميل». لكن أمام القضاء، الأمر مختلف تماماً. فالشاهد لا يقدم خدمة شخصية لصاحب القضية، وإنما يؤدي شهادة يفترض أن تكون صادقة. ولذلك فإن تحويل الشهادة إلى وسيلة للمجاملة أو رد الجميل أو حماية الصديق من نتيجة قانونية قد يفتح باباً لمساءلة لا علاقة لها بمنطق الصداقة الذي بدأ منه الأمر.
وتزداد الخطورة عندما تكون الشهادة مرتبطة بقضية جنائية أو جنحية، لأن المشرع رتب عقوبات مختلفة بحسب طبيعة القضية. فالشهادة الزور في جناية يمكن أن تؤدي إلى عقوبة سالبة للحرية تتراوح، في الأصل، بين خمس وعشر سنوات، وترتفع في حالات معينة مرتبطة بتلقي المال أو المكافأة أو الوعد بها. وفي القضايا الجنحية، يعاقب القانون على شهادة الزور بالحبس والغرامة، مع تشديد العقوبة في حالة وجود مقابل أو وعد به. أما في المخالفات، فهناك أيضاً مقتضيات زجرية خاصة.
وهنا تتضح المفارقة أكثر: الشخص الذي جاء إلى المحكمة ليقول «أنا واقف مع صاحبي» قد يجد نفسه، إذا توافرت عناصر الجريمة، أمام سؤال مختلف تماماً: ومن سيقف معك أنت إذا أصبحت شهادتك نفسها موضوع قضية؟ فالصداقة قد تكون دافعاً إنسانياً، والوفاء قيمة اجتماعية، لكن لا يمكن تحويلهما إلى مبرر للكذب أمام القضاء. لأن المحكمة ليست مكاناً لتصفية الحسابات بين الأصدقاء والخصوم، ولا منصة لإثبات من هو «الجدع» ومن هو «الخايب»، وإنما فضاء يفترض أن تُبنى فيه الأحكام على ما يقدم أمامها من وسائل وإجراءات وأدلة وفق القانون.
واللافت أن بعض الأشخاص قد لا يدخلون أصلاً بنية الكذب. قد يبدأ الأمر بجملة بسيطة: «راه صاحبي قالي غير قول شنو وقع»، ثم تبدأ الإضافات: «إلا سولك على هاد النقطة قول كذا»، «ما تقولش هاد التفصيل»، «ذكر هاد الواقعة لأنها غادي تعاونني». ومع تكرار هذه التوجيهات، قد يجد الشخص نفسه أمام رواية مصنوعة مسبقاً، ويصبح السؤال الحقيقي: هل سيقول ما يعرفه فعلاً، أم ما يريد منه صديقه أن يقوله؟ وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الشاهد مطالب بأن يدلي بالحقيقة التي يعلمها، لا بالرواية التي تخدم مصلحة أحد الأطراف.
وفي المقابل، من المهم عدم الخلط بين شهادة الزور وبين الشهادة التي لا توافق رواية أحد الأطراف. فإذا حضر شخص أمام القضاء وقال الحقيقة كما يعرفها، حتى لو كانت شهادته في غير مصلحة صديقه، فهذا لا يعني أنه «خان صاحبه». كما أن اختلاف الشهادات أو وقوع الشاهد في خطأ غير متعمد لا يعني تلقائياً قيام شهادة الزور. القانون يتحدث عن تغيير الحقيقة عمداً وبما من شأنه تضليل العدالة، وهي عناصر لا يجوز افتراضها لمجرد أن شهادة شخص لم تعجب أحد الأطراف.
وهذا بالضبط ما يجعل عبارة «وقف معايا قدّام القاضي» خطيرة عندما تُفهم بطريقة خاطئة. الوقوف الحقيقي إلى جانب الصديق قد يكون أحياناً بأن تنصحه بالحضور مع محاميه، أو بأن تقدم له الدعم المعنوي، أو أن تقول أمام القضاء فقط ما تعرفه حقيقة، لا أن تتحول إلى شاهد يردد رواية تم إعدادها مسبقاً لإنقاذه. لأن الصديق الذي يدفعك إلى الكذب من أجله قد لا يكون قد أنقذك من مشكلته؛ بل ربما جرّك إلى مشكلته وأنت لا تشعر.
وفي النهاية، الصداقة لا تعطي صاحبها رخصة للكذب، والوفاء لا يحوّل الباطل إلى حقيقة، وعبارة «صاحبي» لا تمنح أحداً حصانة أمام القضاء. يمكنك أن تقف إلى جانب صديقك، وأن تؤازره، وأن تتمنى له البراءة، وأن تساعده في حدود القانون، لكن اللحظة التي يُطلب منك فيها أن تغيّر الحقيقة أمام القضاء هي اللحظة التي يجب أن تعرف فيها أن المسألة لم تعد مجرد «وقفة مع صاحب»؛ إنها لحظة فاصلة بين التضامن المشروع وبين فعل قد تكون له تبعات قانونية.
لذلك، قبل أن تقول لصاحبك «ما تخافش، أنا غادي نوقف معاك»، اسأله أولاً: واش بغيتي نوقف معاك… ولا بغيتي نكذب عليك؟ لأن بين الجملتين فرقاً قد يبدو صغيراً في الصداقة، لكنه قد يكون كبيراً جداً أمام القانون.
