التنمر الإلكتروني.. حين يتحول «الضحك» إلى أذى خلف الشاشة

عصام سبادي

كم من شخص ضغط على زر «نشر» وهو يضحك، دون أن يفكر للحظة في الشخص الذي سيقرأ ما كُتب عنه؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يختصر جانباً من ظاهرة باتت تفرض نفسها بقوة داخل الفضاء الرقمي. فالتنمر لم يعد مرتبطاً فقط بمحيط المدرسة أو الحي أو مكان العمل، بل انتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لتعليق ساخر أو صورة أو مقطع فيديو أن يتحول خلال وقت قصير إلى مادة واسعة التداول. وما يعتبره البعض مجرد مزاح أو ترفيه قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر تجربة مؤلمة، خصوصاً عندما تتكرر التعليقات أو تتسع دائرة المتفاعلين معها. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل كل ما يثير الضحك على الشاشة يستحق أن يُنشر؟

التنمر الإلكتروني قد يظهر في أشكال مختلفة، من السخرية المتكررة من مظهر شخص أو طريقة حديثه، إلى التعليقات الجارحة أو إعادة تداول محتويات بطريقة تحمل معنى مهيناً أو تنتقص من صاحبها. وقد تتداخل في بعض الحالات حدود المزاح مع النقد والسخرية والتعبير عن الرأي، وهو ما يجعل التعامل مع كل واقعة على حدة أمراً ضرورياً، بالنظر إلى مضمونها وسياقها وطريقة نشرها والظروف المحيطة بها. فحرية التعبير والنقد لا تعني بالضرورة أن كل أشكال الإساءة تصبح مقبولة، وفي المقابل لا ينبغي أن يتحول كل اختلاف أو تعليق ساخر تلقائياً إلى اتهام أو توصيف قانوني دون الوقوف على الوقائع والأدلة. المعيار الحقيقي ليس فقط ما قصده الناشر، وإنما أيضاً طبيعة المحتوى والسياق والآثار التي قد تترتب عنه.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتعلق الأمر بمحتويات قابلة لإعادة النشر والانتشار خارج نطاقها الأصلي، إذ يمكن لمنشور واحد أن ينتقل من حساب إلى آخر، ومن مجموعة إلى أخرى، قبل أن يصبح من الصعب التحكم في مساره. كما أن الاعتقاد بأن الاسم المستعار أو الحساب غير المعروف يجعل صاحبه بعيداً عن أي مسؤولية يظل اعتقاداً لا ينبغي البناء عليه، خصوصاً أن تحديد المسؤوليات في أي واقعة يظل مرتبطاً بما يمكن إثباته وبطبيعة الأفعال والمحتويات المعنية، وبما تقرره الجهات المختصة وفق القواعد القانونية الجاري بها العمل. لذلك، فإن التعامل مع التنمر الإلكتروني باعتباره مجرد “لعبة على الإنترنت” قد يغفل جانباً أساسياً من القضية: أن خلف كل حساب شخصاً حقيقياً، وأن خلف كل محتوى متداول أثراً قد لا يظهر على الشاشة.

وفي مواجهة هذه الظاهرة، لا يكفي انتظار وقوع الضرر ثم البحث عن المسؤول، بل تبرز الحاجة إلى ثقافة رقمية أكثر وعياً ومسؤولية، تبدأ من الأسرة والمدرسة وتمتد إلى كل مستخدم لمنصات التواصل. فقبل إعادة نشر صورة أو مقطع أو كتابة تعليق، يبقى السؤال الأبسط والأهم: هل كنت سأقبل أن يُنشر عني الشيء نفسه؟ إن الفضاء الرقمي ليس منطقة معزولة عن قواعد التعامل واحترام الآخرين، كما أن الاختلاف في الرأي لا يحتاج إلى إهانة، والنقد لا يحتاج إلى تحقير، والضحك لا يفترض أن يكون على حساب كرامة شخص آخر. وبين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى المنشور، تبقى قاعدة واحدة جديرة بالتذكير: ما يُكتب في ثوانٍ خلف الشاشة قد يترك أثراً يستمر طويلاً خارجها.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد