الذكاء الاصطناعي يطرق أبواب الصفقات العمومية.. نحو رقابة أسرع وأكثر اتساعاً

عصام السبادي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية للمستقبل، بل أصبح أداة يمكن أن تعيد تشكيل طرق تدبير ومراقبة المال العام. وفي مجال الصفقات العمومية، تبرز أهمية التوجه نحو اختبار أدوات قادرة على قراءة كميات كبيرة من البيانات والوثائق، وربط المعطيات الواردة في الإعلانات ودفاتر التحملات ومحاضر اللجان وشبكات التنقيط وغيرها من مكونات الملفات. والقيمة الأساسية لهذا التحول لا تكمن فقط في السرعة، وإنما في توسيع قدرة الرقابة على فحص عدد أكبر من الملفات ورصد التباينات أو المؤشرات التي قد تستحق مزيدا من التدقيق. وبذلك يمكن للتكنولوجيا أن تخفف عن أجهزة الرقابة جزءا من الأعمال الروتينية التي تستهلك وقتا وجهدا، وتتيح للخبرة البشرية التركيز على المسائل التي تتطلب قراءة قانونية وتقنية معمقة، بما يعزز في النهاية جودة الرقابة على كيفية صرف المال العام.

والإيجابي في هذا التوجه أنه يمكن أن يجعل الرقابة أكثر قدرة على الوقاية من الهدر وحماية المال العام، من خلال الاستفادة من البيانات المتاحة بدل الاكتفاء بفحص محدود للوثائق. فالخوارزميات تستطيع، من حيث المبدأ، إجراء مقارنات واسعة بين المعطيات، وربط مراحل مختلفة من الصفقة، وترتيب الملفات أو العناصر التي تستحق الانتباه وفق مؤشرات قابلة للتحليل. وإذا أحسن توظيف هذه الإمكانات، فقد تصبح الرقابة أكثر سرعة واستهدافا، بما يساعد على اكتشاف مواطن تستوجب التحقق في وقت مبكر، وتحسين توجيه الموارد الرقابية، وتعزيز مبادئ الشفافية وحسن التدبير. والأهم أن التكنولوجيا يمكن أن تدعم الانتقال من رقابة تركز فقط على ما حدث إلى رقابة تستفيد من تحليل المخاطر والمؤشرات من أجل الوقاية، مع بقاء التقييم النهائي بيد المختصين.

لكن قوة التكنولوجيا تفرض في الوقت نفسه حدودا واضحة: المؤشر ليس مخالفة، والتنبيه ليس حكما. فالخوارزمية يمكن أن تلفت الانتباه إلى شرط أو إجراء أو اختلاف يحتاج إلى المراجعة، لكنها لا تستطيع بمفردها فهم جميع المبررات القانونية والتقنية والسياق الخاص بكل صفقة. فقد يكون الشرط الذي يبدو غير مألوف مبررا بطبيعة المشروع، وقد يكون الاختلاف بين ملفين ناتجا عن ظروف مختلفة. لذلك فإن الاستخدام الأكثر أمانا وفعالية للذكاء الاصطناعي هو أن يكون أداة مساعدة للبحث والفرز والمقارنة، مع بقاء التحقق والاستنتاج وتقييم المسؤوليات ضمن الاختصاص البشري والمؤسساتي. كما أن حماية المعطيات وأمن الأنظمة وقابلية النتائج للتفسير والمراجعة تظل شروطا أساسية حتى لا تتحول المخرجات التقنية إلى استنتاجات غير دقيقة.

ومن هذه الزاوية، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مجال الصفقات العمومية يستحق التنويه باعتباره خطوة في اتجاه تحديث أدوات الرقابة وتعزيز القدرة على حماية المال العام ومواكبة التحول الرقمي. فكلما أمكن فحص عدد أكبر من المعطيات في وقت أقل، وتوجيه الخبرة البشرية نحو الحالات التي تستحق تدقيقا أعمق، ازدادت فرص جعل الرقابة أكثر فعالية وكفاءة. غير أن الرهان الحقيقي ليس في أن تحل الآلة محل الإنسان، بل في تحقيق تكامل بين قدرة الخوارزمية على معالجة كم هائل من المعلومات وقدرة الإنسان على فهم القانون والسياق والوقائع. فالمال العام يحتاج إلى رقابة ترى أبعد، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر هذه الرؤية؛ لكن القرار يظل للإنسان، والمرجع يظل للقانون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد