كشفت معطيات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عن مجموعة من التحديات التي تواجه الأراضي الزراعية في المغرب، في مقدمتها تدهور خصوبة التربة وتزايد مخاطر الملوحة، بالتزامن مع استمرار الحاجة إلى توسيع المساحات المنتجة وتعزيز مردودية القطاع الفلاحي.
وبحسب التقرير المتعلق بالموارد الترابية العالمية، يمتلك المغرب حوالي 8.4 ملايين هكتار من الأراضي القابلة للزراعة، وهو ما يعادل نحو خمس المساحة الإجمالية للمملكة. غير أن أكثر من 80 في المائة من هذه الأراضي تعتمد على التساقطات المطرية، في ظل محدودية الاستفادة من أنظمة الري.
وتتميز البنية العقارية الفلاحية بهيمنة الضيعات الصغيرة، إذ تقل مساحة سبعين في المائة منها عن خمسة هكتارات. كما تتسم نسبة مهمة منها بالتشتت إلى قطع متفرقة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الاستثمار المكثف ويرفع كلفة المواكبة والتأطير التقني للفلاحين.
ورغم هذه الإكراهات، تمكن المغرب خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2022 من رفع مساحة الأراضي الزراعية بنحو 240 ألف هكتار، وهو معدل صنفته المنظمة ضمن الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد السودان ومصر.
وفي المقابل، يظل تدهور جودة الأراضي من أبرز مصادر القلق، خاصة في المناطق المسقية. وتشير المعطيات إلى أن حوالي 30 في المائة من المساحات المروية بالمغرب متضررة من الملوحة، وهي ظاهرة يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الإنتاج بنسب تصل إلى 50 في المائة، ما يجعل تدبير الموارد المائية والتربة عاملا حاسما في مستقبل الزراعة.
وتبرز منطقة دكالة، التي تعد من أهم المجالات الفلاحية المسقية بالمملكة، جانبا آخر من التحديات المرتبطة بجودة التربة. فقد أظهرت أبحاث ميدانية أن توسيع استخدام بعض الأساليب الزراعية الحديثة ترافق مع انخفاض في مستويات المادة العضوية، بينما لم يتجاوز متوسطها في تربة سيدي بنور 1.4 في المائة، وهو مستوى يعتبر محدودا بالنسبة إلى الحفاظ على خصوبة التربة على المدى البعيد.
وفي المقابل، سجلت دراسات أخرى نتائج أكثر إيجابية عند اعتماد الزراعة دون حرث، حيث ساهم هذا الأسلوب في زيادة مخزون الكربون العضوي داخل التربة مقارنة بالحرث التقليدي، ما يعزز الحاجة إلى توسيع الممارسات الزراعية التي تراعي الاستدامة وتحافظ على الموارد الطبيعية.
أما في ما يتعلق بتغذية المحاصيل، فيظل استعمال الأسمدة الآزوتية الأكثر انتشارا بين الفلاحين، تليها الأسمدة الفوسفاطية ثم البوتاسية. غير أن نتائج عدد من الدراسات التقييمية أظهرت أن الفوسفور يلعب دورا بارزا في تحسين مردودية الذرة والقمح والشعير، متجاوزا في تأثيره مجموع مساهمة الآزوت والبوتاسيوم.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى مكانته الدولية كأحد أبرز المنتجين والمصدرين للفوسفاط، كما تطرح في الوقت ذاته ضرورة إعادة النظر في طرق تدبير خصوبة التربة واختيار المدخلات الزراعية بما يضمن تحسين الإنتاجية دون استنزاف الإمكانات الطبيعية للأراضي الفلاحية.
وتضع هذه المؤشرات القطاع الزراعي المغربي أمام معادلة دقيقة، تقوم على رفع الإنتاج وتوسيع المساحات المستغلة من جهة، والحفاظ على خصوبة التربة والحد من الملوحة واستعمال الموارد بشكل مستدام من جهة أخرى، بما يضمن استمرارية النشاط الفلاحي وقدرته على مواجهة الضغوط البيئية والمناخية المتزايدة.
