الأمانة والعهد… كلمتان قد تبدوان بسيطتين في ظاهرِهما، لكنهما في السياسة تحملان معنى ثقيلاً: أن تمنح الناس وعداً، ثم تمضي سنوات وأنت مطالب بأن تثبت أنك كنت في مستوى ذلك الوعد.
بهذه الروح يمكن قراءة المسار السياسي لفاطمة الزهراء المنصوري، ابنة مراكش التي دخلت عالم السياسة وهي شابة، تحمل غيرة واضحة على مدينتها ورغبة في أن ترى المشهد السياسي المحلي أكثر قدرة على صناعة التغيير.
فالمسار لم يبدأ من أعلى هرم المسؤولية، وإنما كان أشبه بشتلة صغيرة غُرست في تربة مراكش، ثم كبرت مع السنوات، فصارت شجرة لها ظل، وثمار، وأثر.
وهذه ربما واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن تجربة المنصوري.
ففي سنة 2008، ومع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، انخرطت فاطمة الزهراء المنصوري في العمل السياسي، قبل أن تصل سنة 2009 إلى واحدة من أهم المحطات في مسارها، حين انتُخبت عمدة لمدينة مراكش، لتصبح أول امرأة تترأس المجلس الجماعي للمدينة، وثاني امرأة تتولى منصب العمدة في المغرب.
لم يكن الأمر مجرد حدث رمزي يتعلق بوصول امرأة شابة إلى موقع متقدم في تدبير مدينة بحجم مراكش، وإنما كان رسالة سياسية ومجتمعية مفادها أن المرأة المغربية قادرة على اقتحام مواقع القرار، وتحمل مسؤولية مدينة لها ثقلها الوطني والدولي.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ اسم فاطمة الزهراء المنصوري يتجاوز حدود التجربة المحلية.
مراكش.. المدرسة الأولى
مراكش لم تكن بالنسبة إلى المنصوري مجرد مدينة تولت تدبيرها من داخل المؤسسات المنتخبة، بل كانت مدرسة سياسية حقيقية.
مدينة معقدة في بنيتها، واسعة في امتدادها، ثقيلة في انتظارات سكانها، وحاضرة بقوة في الخريطة السياحية والاقتصادية والثقافية للمغرب.
ومن هنا جاءت أهمية التجربة.
فالتدبير المحلي لا يسمح كثيراً بالاختباء خلف الشعارات. المواطن يرى الطريق، والحي، والساحة، والمرفق، والإنارة، والنظافة، والنقل، والتهيئة، ويعرف بسرعة إن كان المشروع قد خرج من الورق إلى الواقع أم بقي حبيس الوعود.
وخلال تجربتها في تدبير مراكش، ارتبط اسم المنصوري بعدد من الأوراش المرتبطة بتأهيل المدينة وتطوير بنياتها ومرافقها، كما استمرت خلال ولايتها الحالية في متابعة مشاريع مرتبطة بتأهيل الطرق والمجالات الحضرية والفضاءات التاريخية، من بينها أوراش مرتبطة بطريق مطار مراكش المنارة، وشارع علال الفاسي، وموقف السيارات بأرسات المعاش، وساحة جامع الفنا، فضلاً عن مشاريع لتأهيل عدد من الأحياء والدواوير والمرافق.
وهنا تكمن أهمية مراكش في مسارها السياسي: أن المسؤولية بدأت من المدينة، من المواطن، ومن التفاصيل التي يلمسها الناس بأيديهم كل يوم.
من تدبير المدينة إلى صناعة القرار الوطني
بعد سنوات من التجربة المحلية والحزبية، انتقلت فاطمة الزهراء المنصوري سنة 2021 إلى الحكومة، وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
وكان الانتقال من تدبير مدينة كبرى إلى تدبير ملفات وطنية بحجم التعمير والإسكان بمثابة اختبار جديد.
فالوزارة التي تولت مسؤوليتها ترتبط مباشرة بمستقبل المدن، والسكن، والتخطيط العمراني، والتوازن المجالي، ومواكبة التحولات الديموغرافية والاقتصادية للمغرب.
ومن هنا جاءت مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة تحريك الملفات الثقيلة.
ولعل أقوى مثال على ذلك هو برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2024، والذي نقل فلسفة الدعم من مقاربة تقوم أساساً على دعم العرض إلى دعم مباشر موجه للمواطن الراغب في اقتناء سكنه الرئيسي.
البرنامج حدد دعماً بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء مسكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للمساكن التي يتراوح ثمنها بين 300 ألف و700 ألف درهم، مع إحداث منصة رقمية لتسهيل التسجيل وتتبع الطلبات.
ولم يبق البرنامج في حدود الإعلان.
فبحلول نونبر 2024، بلغ عدد المستفيدين 28 ألفاً و458 مستفيداً، فيما وصلت قيمة المساكن المقتناة إلى 11.4 مليار درهم، منها 2.3 مليار درهم مساهمة من الدولة. كما شكل الشباب والنساء ومغاربة العالم نسبة مهمة من المستفيدين.
وفي أكتوبر 2025، أعلنت المنصوري أن عدد الشباب دون الأربعين المستفيدين من البرنامج بلغ 36 ألفاً و576 شاباً، وهو رقم يعطي للبرنامج بعداً اجتماعياً واضحاً، خصوصاً بالنسبة إلى جيل يبحث عن أول خطوة نحو الاستقرار وبناء المستقبل.
وهنا يصبح الحديث عن «القرب من المواطن» أكثر من مجرد عبارة.
لأن السكن ليس ملفاً تقنياً فقط.
السكن هو الاستقرار، وهو الأسرة، وهو الكرامة، وهو شعور الإنسان بأن له مكاناً ثابتاً في وطنه.
حين تتحول السياسة إلى أثر
ربما لهذا السبب بالذات تحمل عبارة المنصوري: «السياسة ليست مجرد وعود، بل مسؤولية تُقاس بما ننجزه وبالأثر الذي نتركه في حياة الناس» دلالة خاصة.
فالأثر السياسي الحقيقي لا يظهر فقط في المنابر، وإنما عندما يجد شاب فرصة لاقتناء مسكن، أو عندما يتم تبسيط مسطرة كانت تثقل المواطن، أو عندما يعاد تأهيل حي، أو حين تتحول مدينة من ورش مفتوح إلى فضاء أكثر تنظيماً وجاذبية.
حتى الاتفاقية التي جرى توقيعها مع هيئة الموثقين في إطار برنامج دعم السكن حملت بعداً اجتماعياً، إذ تم تسقيف أتعاب الموثقين في 2500 درهم لفائدة المستفيدين من السكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، بما يخفف جزءاً من كلفة الولوج إلى الملكية.
وهكذا، لم يعد السؤال فقط: ماذا قالت المنصوري؟
بل أصبح السؤال الأهم: ماذا تغير بعد أن قالت؟
امرأة داخل مطبخ القرار
إلى جانب المسؤولية الحكومية، صعدت فاطمة الزهراء المنصوري داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وتولت الأمانة العامة للحزب ضمن القيادة الثلاثية، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية في المشهد السياسي المغربي.
وهنا أيضاً، يصعب فصل الشخصية السياسية عن مسارها.
فهي ليست وافدة حديثة على المؤسسات، وليست شخصية ظهرت فجأة مع اقتراب الانتخابات.
إنها سياسية بدأت من مراكش، وخاضت تجربة الجماعة، وعاشت تفاصيل العمل الانتخابي، وانتقلت إلى الحكومة، ثم إلى قيادة الحزب.
أي أنها راكمت تجربة في المحلي، والوطني، والحزبي، والمؤسساتي.
وهذا التراكم هو الذي يمنح طموحها السياسي الحالي معنى مختلفاً.
من «الأمانة» إلى «العهد»
مع انطلاق الحملة الانتخابية للتشريعيات لسنة 2026، اختارت المنصوري أن تعود إلى المواطن بلغة مختلفة عن لغة الأرقام وحدها.
نشرت صورة لائحتها الانتخابية بدائرة مراكش المدينة ـ سيدي يوسف بن علي، وكتبت:
«الأمانة والعهد… كلمات أؤمن أن معناها الحقيقي لا يكون إلا بالعمل.»
ثم تحدثت عن القرب من المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وجعل همومهم اليومية نقطة انطلاق للقرار والعمل.
هذه الكلمات، إذا قُرئت بمعزل عن مسارها، يمكن أن تبدو مجرد رسالة انتخابية.
لكن إذا قُرئت في سياق تجربتها منذ 2009، فإنها تصبح أشبه بخلاصة لمسار كامل.
فالمنصوري تقول عملياً إن السياسة التي تؤمن بها لا تبدأ من المنصة الانتخابية، بل من الشارع.
لا تبدأ من لحظة التصويت، بل من اليوم الذي يلي التصويت.
ولا تقاس بعدد الوعود، وإنما بعدد المرات التي يعود فيها المسؤول إلى الميدان ليرى ماذا تحقق.
مراكش مرة أخرى.. البداية التي لم تنتهِ
المفارقة الجميلة في قصة فاطمة الزهراء المنصوري أن الرحلة التي بدأت من مراكش تعود اليوم إلى مراكش.
من المدينة التي صنعت بداياتها السياسية، تنطلق من جديد نحو محطة وطنية أكبر.
وهي عودة تحمل كثيراً من الرمزية.
فالمدينة التي عرفت أول تجربة لها في المسؤولية السياسية، تعرف اليوم أيضاً أحد أكثر فصول مسارها السياسي أهمية.
ولهذا فإن المنافسة الانتخابية بالنسبة إليها ليست فقط معركة على مقعد برلماني.
إنها أيضاً امتحان أمام مدينة تعرفها منذ سنوات، وأمام مواطنين يعرفون صورتها السياسية، ويملكون الحق الكامل في أن يسألوا عن الحصيلة، وعن المستقبل، وعن الطريق الذي تريد أن تسلكه مراكش والمغرب معاً.
طموح أكبر من المقعد
اليوم، لا تخفي فاطمة الزهراء المنصوري طموحاً سياسياً أكبر.
طموح قيادة مرحلة جديدة، والمساهمة في صناعة مستقبل المغرب من موقع أكثر تقدماً في هرم القرار.
وقد يجعلها حضورها الحزبي والحكومي، وتجربتها في تدبير مدينة كبرى، وكونها واحدة من أبرز القيادات النسائية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، اسماً سيحضر بقوة في النقاش حول مستقبل القيادة الحكومية.
لكن الطريق إلى رئاسة الحكومة، كما هو الطريق إلى أي مسؤولية سياسية كبرى، لا تصنعه الرغبة وحدها.
يصنعه صندوق الاقتراع، والثقة الشعبية، والتحالفات، والقدرة على إقناع المغاربة بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى هذا الاختيار.
وهنا تحديداً تصبح انتخابات 23 شتنبر أكثر من مجرد موعد انتخابي بالنسبة إلى المنصوري.
إنها لحظة لتقديم الحساب عن الماضي، وطرح الرؤية للمستقبل.
الشتلة التي كبرت
حين نعود إلى الصورة الأولى، صورة الشتلة، يصبح مسار فاطمة الزهراء المنصوري أكثر وضوحاً.
شتلة بدأت في مراكش.
كبرت داخل العمل السياسي.
أثمرت تجربة في تدبير المدينة.
امتدت أغصانها إلى الحكومة.
دخلت إلى ملفات الإسكان والتعمير وسياسة المدينة.
وخاضت واحدة من أبرز تجارب الدولة الاجتماعية الجديدة عبر الدعم المباشر للسكن.
ثم وصلت إلى قيادة الحزب، وأصبحت اليوم أمام طموح وطني أكبر.
لكن الشجرة، مهما كبرت، لا تُقاس بارتفاعها فقط.
تُقاس بظلها.
وبثمارها.
وبما تتركه في الأرض التي نبتت فيها.
وهنا يأتي الامتحان الحقيقي لفاطمة الزهراء المنصوري.
هل تستطيع أن تجعل من تجربتها السياسية الممتدة أكثر من عقد ونصف مشروعاً وطنياً جديداً؟
هل تستطيع أن تحول الثقة التي راكمتها إلى قدرة على قيادة مرحلة أكثر تعقيداً؟
وهل تستطيع أن تجعل من «الأمانة والعهد» أكثر من شعار انتخابي؟
الإجابة لن تكون في المنشورات.
ولا في المنصات.
ولا في الحملات.
الإجابة سيكتبها المواطن يوم 23 شتنبر.
فالمواطن لا يمنح صوته فقط لمن يتحدث إليه.
إنه يمنحه لمن يعتقد أنه سيحمل صوته معه إلى مراكز القرار.
ولهذا، ربما كانت الجملة الأكثر اختصاراً لمسار المنصوري كله هي تلك التي اختارت أن تختم بها رسالتها:
«لأن صوتكم أمانة، وثقتكم مسؤولية… موعدنا يوم 23 شتنبر، من أجل تغيير المسار معاً.»
وفي السياسة، حين تصل امرأة من شوارع مراكش إلى قلب القرار الوطني، فإن القصة لا تكون فقط قصة امرأة صعدت في سلم المسؤولية.
بل قصة مسار بدأ صغيراً، وكبر بالتجربة، وأصبح اليوم مطالباً بأن يثبت أن الثقة يمكن أن تتحول إلى مشروع، وأن الطموح يمكن أن يتحول إلى قيادة، وأن الأمانة يمكن أن تتحول إلى أثر.
فاطمة الزهراء المنصوري… من شتلة مراكش إلى سؤال المرحلة.
