قبل أن يصبح التسامح قيمة إنسانية عالمية… كيف سبق الإسلام إلى ترسيخ العفو وتجاوز منطق الانتقام؟

عصام سبادي

 

قبل أن تتحول قيم التسامح والمصالحة والعفو إلى مفاهيم حاضرة بقوة في الخطاب الإنساني الحديث، كان الإسلام قد وضع لها مكانة واضحة داخل منظومته الأخلاقية والتشريعية، ولم يقدم العفو باعتباره ضعفاً أمام الإساءة، وإنما باعتباره اختياراً أخلاقياً يمكن أن يرتقي بالإنسان فوق منطق الانتقام، خصوصاً عندما يكون قادراً على رد الأذى.

فالقرآن لم يكتفِ بالدعوة إلى ضبط الغضب، بل ربط العفو وكظم الغيظ بالإحسان، وجعل مقابلة الإساءة بالحسنى من السبل التي يمكن أن تغير طبيعة العلاقة بين المتخاصمين. وهذه الرؤية تتجاوز مجرد الدعوة إلى الهدوء؛ لأنها تنقل الإنسان من موقع رد الفعل إلى موقع التحكم في قراره، ومن الرغبة في معاقبة الآخر إلى إمكانية إنهاء الخصومة وفتح باب الإصلاح.

واللافت في التصور الإسلامي أن العفو لم يُبنَ على إلغاء حق الإنسان في الانتصاف. فوجود الحق في الرد أو المطالبة بالإنصاف لا يتعارض مع كون العفو فضيلة يختارها صاحب الحق بإرادته. وهنا تظهر قوة الفكرة: الإسلام لا يطلب من المظلوم أن يعتبر الظلم أمراً عادياً، ولا يجعل التسامح مبرراً لإهدار الحقوق، وإنما يفتح أمامه طريقاً آخر عندما يرى أن الصفح يمكن أن يكون أصلح وأقرب إلى الإصلاح.

وهذا التفريق مهم للغاية، لأن التسامح الحقيقي لا يعني إجبار الضحية على الصمت، ولا إعفاء المعتدي من المسؤولية، ولا تحويل العفو إلى وسيلة للضغط على صاحب الحق. فالعفو الذي تحدث عنه الإسلام مرتبط بالإرادة والقدرة والاختيار، ولذلك ارتبط في كثير من مواضعه بمعانٍ مثل الإصلاح والإحسان والرحمة، وليس بالاستسلام أو قبول الظلم.

وتكشف السيرة النبوية بدورها عن نماذج بارزة للعفو عند المقدرة، حيث لم تكن القدرة على الرد غائبة، ومع ذلك كان الصفح والإصلاح حاضرين في مواقف مفصلية. وهذه المواقف تعطي للمعنى بعداً عملياً: الانتصار لا يعني بالضرورة إذلال الخصم، والقوة لا تحتاج دائماً إلى الانتقام لإثبات وجودها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من السبق الإسلامي في هذا المجال؛ فقبل أن تتوسع المجتمعات الحديثة في تطوير آليات الصلح والوساطة والتسوية وإنهاء النزاعات، كان مبدأ الإصلاح وتغليب العفو عند إمكانه حاضراً ضمن منظومة إسلامية تربط العلاقات الإنسانية بالرحمة وضبط النفس وحفظ الحقوق. ولا يعني ذلك أن النظم الحديثة نشأت مباشرة من هذه المبادئ، أو أن الإسلام وضع الصيغ القانونية المعاصرة نفسها، وإنما يعني أن بعض القيم التي تحظى اليوم بمكانة واسعة في الفكر الإنساني كانت حاضرة بوضوح في التصور الإسلامي منذ قرون.

وفي الحياة اليومية، تبدو الحاجة إلى هذا المعنى أكثر إلحاحاً. كلمة جارحة قد تتحول إلى خصومة، وخلاف بسيط قد يتسع بسبب الرغبة في الرد، وإساءة على مواقع التواصل قد تجر وراءها سلسلة من الإساءات المتبادلة. وفي كل مرة يختار فيها الإنسان أن يوقف دائرة الانتقام دون أن يتنازل عن كرامته أو حقوقه، فإنه يمارس شكلاً من أشكال القوة على النفس.

لذلك لا تبدو قيمة العفو في الإسلام مجرد فضيلة فردية مرتبطة بعلاقة الإنسان بربه، بل تحمل أيضاً بعداً اجتماعياً واضحاً؛ لأنها تستطيع أن تخفف حدة الخصومات، وتمنع انتقالها من شخص إلى آخر، وتمنح العلاقات فرصة للعودة إلى مسار أكثر هدوءاً. فالمجتمع الذي يعرف أفراده كيف يطالبون بحقوقهم، وكيف يعفون عندما يرون في العفو مصلحة وإصلاحاً، يكون أقل قابلية لتحويل كل خلاف إلى صراع مفتوح.

وهنا تتجلى الفكرة التي تجعل العفو في الإسلام أكثر من مجرد “التسامح”: أن الإنسان قد يكون قادراً على الانتقام، لكنه يختار العفو؛ وقد يملك حق الرد، لكنه يفضل الإصلاح؛ وقد يستطيع إذلال من أساء إليه، لكنه يختار ألا يجعل الإساءة سبباً لفقدان إنسانيته.

وفي زمن أصبحت فيه المصالحة والتسامح وحل النزاعات قيماً تحظى باهتمام متزايد، تظل الرسالة الإسلامية واضحة في جوهرها: ليس كل حق يجب أن يتحول إلى انتقام، وليس كل انتصار يحتاج إلى إلحاق الهزيمة بالآخر. أحياناً يكون أقوى انتصار هو أن تملك القدرة على الرد، ثم تختار الطريق الذي ينهي الخصومة بدل أن يوسعها.

وهنا بالضبط يكمن أحد أوجه السبق في المنظور الإسلامي: العفو لم يكن فيه مجرد تنازل عن الغضب، بل قيمة مقصودة لبناء الإنسان والعلاقة والمجتمع، مع بقاء الحق مصوناً وعدم تحويل التسامح إلى غطاء للظلم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد