23 شتنبر.. حين يصبح العزوف عن التصويت تنازلا عن حقك في الاختيار

هناك من يردد، كلما اقترب موعد الانتخابات، أن “صوتا واحدا لن يغير شيئا”، وأن الوجوه تتغير لكن الأوضاع تبقى على حالها، وأن الذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يستحق عناء الانتظار والبحث عن المرشح الذي يستحق الثقة.

هذه النظرة قد تبدو للبعض احتجاجا على واقع سياسي لا يرضيهم، لكنها في جوهرها قد تتحول إلى واحدة من أخطر صور الانسحاب من الشأن العام. فالانتخابات لا تحتاج فقط إلى من يريد التصويت، بل تحتاج أيضا إلى مواطن يرفض أن يترك الآخرين يقررون مكانه.

يوم 23 شتنبر، لن يكون السؤال فقط: من فاز ومن خسر؟ بل سيكون السؤال أيضا: من اختار أن يشارك، ومن اختار أن ينسحب؟ ومن أراد أن يكون جزءا من صناعة القرار، ومن ترك مقعده شاغرا ثم عاد بعد إعلان النتائج ليشتكي من السياسات والقرارات والوجوه التي اختارها غيره؟

العزوف عن التصويت لا يعني أن السياسة توقفت، ولا يعني أن المؤسسات لن تتشكل، ولا يعني أن القرارات لن تتخذ. الحياة السياسية ستستمر، والبرلمان سيشكل، والمنتخبون سيصلون إلى مواقع المسؤولية، وستتخذ قرارات تمس حياة المواطنين، سواء شارك هذا المواطن أو قرر البقاء في منزله.

وهنا تكمن المفارقة: قد يرفض شخص الذهاب إلى صندوق الاقتراع احتجاجا على أداء الأحزاب، ثم يجد نفسه بعد ذلك ينتقد الحكومة والبرلمان والمنتخبين والقرارات العمومية. لكن إذا كان قد امتنع عن ممارسة حقه في الاختيار، فكيف يمكنه أن يدعي أنه لم يكن له أي دور في النتيجة؟

صحيح أن المشاركة الانتخابية وحدها لا تصنع الديمقراطية، وصحيح أيضا أن المواطن ليس مطالبا بمنح صوته لمن لا يقتنع به. لكن الفرق كبير بين أن ترفض مرشحا لأنك لا تثق فيه، وبين أن ترفض العملية الانتخابية برمتها ثم تترك الآخرين يختارون بالنيابة عنك.

الاحتجاج الحقيقي لا يكون دائما بالابتعاد عن الصندوق. أحيانا يكون الاحتجاج في الذهاب إليه واختيار مرشح آخر. ويكون أيضا في رفض شراء الصوت، وفي عدم الخضوع للوعود السهلة، وفي محاسبة المنتخب بعد وصوله إلى المؤسسة، وفي تذكر من وعد ومن وفى ومن أخلف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول اليأس إلى عادة، وأن يصبح “لا فائدة” جوابا جاهزا لكل استحقاق انتخابي. فالمجتمع الذي يفقد ثقته في قدرته على التأثير يصبح أكثر عرضة لأن تفرض عليه خيارات لم يشارك في صناعتها.

وفي المقابل، فإن المواطن الذي يشارك لا يمنح شيكا على بياض لأي منتخب. صوته ليس تنازلا عن حقه في النقد، بل بداية لمسؤولية جديدة: المتابعة والمساءلة والمطالبة بالحصيلة. فمن يصوت اليوم يملك غدا كامل الحق في أن يسأل: ماذا فعل من منحته ثقتي؟ وأين ذهبت الوعود التي قدمها؟

أما المرشحون والأحزاب، فعليهم أن يدركوا بدورهم أن المواطن لم يعد مستعدا بالضرورة لتصديق كل ما يقال في زمن الانتخابات. فالثقة لا تبنى بالشعارات وحدها، ولا بالصور والولائم والخطابات، وإنما بالبرامج الواقعية، والنزاهة، والحضور، والقدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين.

ولهذا، فإن 23 شتنبر يجب ألا يكون مجرد يوم انتخابي ينتهي بإغلاق مكاتب التصويت. إنه اختبار أيضا لمدى استعداد المواطن لتحمل مسؤوليته تجاه اختياره، واختبار للطبقة السياسية في قدرتها على استعادة ثقة من فقدوا الأمل في السياسة.

ليس المطلوب أن يحب المواطن كل الأحزاب، ولا أن يقتنع بكل المرشحين. المطلوب فقط ألا يمنح اليأس حقا أكبر من حقه، وألا يسمح لفكرة “صوتي لن يغير شيئا” بأن تحرمه من ممارسة واحد من أهم حقوقه السياسية.

إذا لم تعجبك الوجوه، اختر غيرها. إذا لم تقنعك البرامج، قارن بينها. إذا كنت غاضبا من الأداء السياسي، عبر عن غضبك داخل صندوق الاقتراع. وإذا كنت تريد التغيير، فلا تترك للآخرين وحدهم مهمة اختيار من سيحكمون باسمك.

في 23 شتنبر، ستكون أمام المواطن ورقة اقتراع، لكن خلف هذه الورقة سؤال أكبر: هل تريد أن تكون شريكا في صناعة القرار، أم تكتفي بمشاهدة النتائج ثم الشكوى منها؟

فالسياسة لا تكره الغاضبين، بل تحتاج إلى غضبهم حين يتحول إلى فعل. ولا تخاف من الناقد، بل من المواطن الذي يتابع ويسأل ويحاسب.

اذهب إلى الصندوق، لا لأن كل شيء مثالي، بل لأنك أنت من يجب أن يقرر لمن تمنح ثقتك ومن تحجبها عنه.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد