دبلوماسية الهدوء في الرحامنة.. كيف أعاد المداوي ترميم البيت «البامي»؟

منذ وطأت قدماه المشهد السياسي في إقليم الرحامنة، اختط عز الدين المداوي مساراً مغايراً لما ألفته الساحة الحزبية؛ إذ نأى بنفسه عن الصدامات التنظيمية وحروب الاستقطاب التي أنهكت حزب الأصالة والمعاصرة لسنوات، مراهناً على فضيلة الصمت المنتج والإنصات العميق. لم يسعَ الرجل إلى تقديم نفسه كطرف في صراع، بل كجسر للتلاقي، متسلحاً برصيده الأكاديمي وخبرته التدبيرية لخطاب يُعلي من شأن المشترك ويفتح الأبواب مشرعة أمام كل الطاقات الراغبة في البناء.

​لم تقم استراتيجية المداوي على الوعود الرنانة أو المزايدات الخطابية، بل ارتكزت على الالتحام المباشر بالقواعد وتفكيك أسباب الجفاء؛ إذ اعتبر أن تباين الآراء علامة حيوية لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة تضر بمصالح الإقليم. وسرعان ما آتت هذه المقاربة ثمارها، حيث شهدت المنطقة حركية لافتة تمثلت في عودة قنوات الوصل مع قيادات مؤسسة ومنتخبين ووجوه غابت طويلاً، تحفزهم رغبة جماعية في طي صفحات الخلاف وتدشين مرحلة عنوانها المصالحة وإعادة ترتيب الأولويات.

​وتجسد هذا التحول في قرار عبد العزيز العلوي بالعودة إلى الواجهة الحزبية، بعد سنوات عمل فيها كأحد «جنود الخفاء». واللافت في خطوة العلوي أنها جاءت بدافع ذاتي ودون ترتيبات مسبقة، مدفوعة بسمعة المداوي ومساره الحافل في مدن كالقنيطرة والرباط؛ مؤكداً أن تدبير التباينات السياسية يتطلب الصدق والوضوح، ومعلناً انخراطه الكامل في مد يده للتعاون المشترك خدمة للرحامنة.

​ولا تُقاس هذه الخطوة برمزية عودة اسم بارز فحسب، بل بدلالتها على مناخ التهدئة العام داخل الحزب؛ فقد استطاع المداوي، برصانته وبعده عن التخندق في الأجنحة، أن يحول اللقاءات الميدانية من منصات للتطاحن إلى مساحات للحوار المجتمعي، حيث تصدرت قضايا الساكنة الحيوية—من صحة، وماء، وتعليم، وطرق—صلب النقاش، بلغة واقعية تبتعد عن مهاجمة الخصوم وتُركز على الحلول الممكنة.

​إن تجربة المداوي بالرحامنة تُكرس نموذجاً سياسياً يعتمد قوة الإقناع الناعم، حيث يُستعاض عن الضجيج بالاتزان، وعن التنافر بالتقارب؛ غير أن الرهان الحقيقي يظل معلقاً على ترجمة هذا الالتفاف إلى مكاسب ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين، فإذا كان كسب الثقة بداية الطريق، فإن استدامتها تبقى رهينة باستمرار التواصل وتحقيق النتائج على أرض الواقع.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد