الساعة تعود إلى غرينتش.. هل يستعيد المغاربة إيقاعهم الطبيعي أم تبدأ معركة جديدة مع النوم؟

في كثير من الإقامات السكنية، لم تعد معركة النظافة وصيانة المصاعد والإنارة وحراسة المداخل وتدبير الأجزاء المشتركة مجرد خلاف حول جودة خدمة، بل تحولت إلى سؤال أكبر يتعلق بثقافة العيش المشترك ومدى استيعاب الساكنة لطبيعة الملكية المشتركة. فهناك من يطالب بمدخل نظيف، ومصعد صالح للاستعمال، وإنارة جيدة، وحراسة منتظمة، وصيانة مستمرة، لكنه في المقابل يرفض أداء مساهمته في مصاريف السانديك، أو يعتبر أن عدم رضاه عن طريقة التدبير يمنحه الحق في تعليق الأداء. وهنا يبرز التناقض بوضوح: كيف يمكن المطالبة بخدمات مشتركة يفترض أن تمول من مساهمات الملاك، مع رفض المشاركة في تحمل تكلفتها؟

 

المسألة في جوهرها ليست اجتماعية بالمعنى الذي يجعل الالتزام المالي اختيارياً، ولا هي مجرد خصومة شخصية بين السكان ومكتب السانديك، وإنما ترتبط بنظام قانوني خاص ينظم علاقة الملاك بالأجزاء المشتركة. فالقانون رقم 18.00 يجعل المساهمة في التكاليف اللازمة للحفاظ على الأجزاء المشتركة وصيانتها وتسييرها التزاماً على المالك المشترك، كما ينص على المساهمة في تكاليف الخدمات الجماعية المرتبطة بتدبير الملكية المشتركة والتجهيزات المشتركة بحسب منفعتها. وبذلك، فإن الاعتراض على مستوى الخدمة يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش والمحاسبة والاعتراض وفق المساطر المتاحة، لكنه لا يحول في حد ذاته دون وجود الالتزام بالمساهمة في التكاليف المقررة وفق القواعد المنظمة للملكية المشتركة.

 

لكن الوجه الآخر من الصورة لا يقل أهمية؛ فثقافة الأداء لا يمكن فصلها عن ثقافة الحكامة والشفافية. الساكن الذي يؤدي مساهمته من حقه أن يعرف أين تذهب الأموال، وما هي الخدمات المؤداة، وكيف يتم تدبير المصاريف، وما هي القرارات التي اتخذت بشأن الصيانة والنظافة والحراسة وغيرها. لذلك، فإن اختزال المشكل في عبارة “السكان لا يؤدون” قد يكون تبسيطاً غير كافٍ، كما أن اختزاله في عبارة “السانديك لا يقوم بواجبه” لا يحل الإشكال. المطلوب هو علاقة تقوم على طرفين: التزام الملاك بأداء ما عليهم، مقابل تدبير واضح ومسؤول وقابل للمساءلة، مع استعمال الآليات القانونية عند وجود خلاف بدل تحويل العمارة إلى ساحة صراع يومي.

 

والسؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الظاهرة هو: هل نعيش ثقافة الملكية المشتركة، أم ما زلنا نتعامل مع الشقة باعتبارها ملكاً فردياً فقط؟ فالملكية المشتركة تعني عملياً أن جزءاً من الحياة اليومية لا يمكن أن يدبر بمنطق “أنا وما أملك فقط”، لأن السلالم والمصاعد والممرات والواجهات والتجهيزات المشتركة والخدمات المرتبطة بها تتجاوز المصلحة الفردية. وحين يطالب شخص بخدمة مشتركة ثم يرفض المساهمة في تكلفتها، فإن التناقض لا يكون مالياً فقط، بل يكشف أيضاً عن حاجة إلى وعي أكبر بأن السكن داخل إقامة مشتركة يعني حقوقاً وواجبات متبادلة. فالحل لا يبدأ دائماً من سؤال: “من المخطئ؟”، وإنما من سؤال أكثر أهمية: كيف نبني ثقافة تجعل الحق في المطالبة بالخدمة مرتبطاً أيضاً بالاستعداد لتحمل المسؤولية عن استمرارها؟

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد