ماذا فعلت الكاميرا بحياتنا؟ حين يصبح العيش مجرد محتوى

عصام سبادي

 

 

ماذا لو لم تعد الكاميرا توثّق حياتنا، بل أصبحت حياتنا هي التي تُرتَّب على مقاس الكاميرا؟ ماذا لو استيقظنا ذات يوم لنكتشف أننا لم نعد نبحث عن اللحظة التي تستحق أن تُعاش، بل عن اللحظة التي تستحق أن تُصوَّر؟ ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة في عصرنا أن الإنسان صار يحمل شاهداً على حياته أكثر مما يحمل رغبة في عيشها؛ يراقب نفسه من خلال الشاشة، ويقيس جمال اللحظة بمدى قابليتها للنشر، ويمنح الجمهور حق الحضور حتى في اللحظات التي لم يكن مدعواً إليها. نحن لا نصوّر ما نعيشه فقط؛ في بعض الأحيان، نبدأ في عيش ما يمكن تصويره. وعندما تصبح الكاميرا حاضرة في وعينا قبل أن تكون حاضرة في أيدينا، فإن السؤال لم يعد: ماذا نفعل؟ بل لمن نفعله؟

 

هنا يظهر ما يمكن تسميته بإدمان التوثيق، لا باعتباره تشخيصاً طبياً، وإنما باعتباره سلوكاً يتسع كلما أصبح الهاتف جزءاً من كل تفصيل يومي. صورة للطعام، مقطع من الطريق، تفاصيل رحلة، لحظة عائلية، مناسبة خاصة، موقف عابر… كل شيء يمكن أن يتحول إلى محتوى. ومع الوقت، قد تتغير وظيفة التوثيق نفسها: من حفظ الذكرى إلى طلب الاعتراف بها. وكأن الإنسان لم يعد يكتفي بأن يتذكر أنه عاش اللحظة، بل يحتاج إلى أن يعرف أن الآخرين رأوه يعيشها. ليست المشكلة في التصوير أو المشاركة بحد ذاتهما؛ فهما جزء من الحياة الرقمية الحديثة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المشاركة بديلاً عن التجربة، ويصبح الاحتفاظ باللحظة بعيداً عن الجمهور أمراً يبدو ناقصاً أو غير مكتمل.

 

ثم تأتي المشاهدات لتمنح هذا السلوك قوة إضافية. فالمنصات لا تكافئ دائماً الهدوء أو العمق؛ إنها تكافئ الانتباه، والانتباه بطبيعته يبحث عن الجديد والأكثر إثارة والأكثر قدرة على إبقاء العين معلقة بالشاشة. وهكذا يمكن أن يجد الإنسان نفسه، من دون تخطيط مسبق، يعيد النظر في تفاصيل حياته بعين صانع المحتوى: هل هذا الموقف قابل للتصوير؟ هل هذه الرحلة تستحق النشر؟ هل هذه اللحظة ستجذب المشاهدات؟ ومع تكرار الأسئلة، قد تتسلل الكاميرا إلى مناطق لم تكن تحتاج إليها أصلاً، وتضيق المسافة بين الحياة الخاصة والمحتوى العام. ليس كل من يوثق يومياته مستعرضاً، وليس كل من ينشر تفاصيل حياته واقعاً في إدمان التوثيق، لكن الخطر يبدأ حين يصبح الرقم الذي يظهر على الشاشة أكثر قدرة على تحديد قيمة اللحظة من الشعور الذي تركته في صاحبها.

 

وربما لا نحتاج إلى محاضرة طويلة كي نعرف أين نقف؛ يكفي اختبار واحد: لو اختفت المشاهدات والإعجابات والتعليقات، ولو أصبح التصوير بلا جمهور، فهل كنا سنفعل الشيء نفسه؟ الإجابة قد تكون كاشفة أكثر مما نتصور. لأن الحياة ليست بحاجة دائماً إلى شاهد، والذكرى ليست مطالبة دائماً بأن تصبح منشوراً، واللحظة ليست مطالبة بأن تمر عبر عدسة كي تصبح حقيقية. قد يكون الوعي الحقيقي في زمن التوثيق الدائم هو أن نعرف أن بعض الأشياء أجمل لأنها لم تُعرض، وأن بعض اللحظات أكثر صدقاً لأنها لم تُصوَّر، وأن الاحتفاظ بجزء من حياتنا لأنفسنا ليس نقصاً في المشاركة، بل استعادة لحق بسيط: أن نعيش دون أن نفكر طوال الوقت في كيف سنبدو ونحن نعيش.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد