قراءة سياسية في هندسة الأغلبية الحكومية المقبلة

دخل المغرب، منذ مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026، مرحلة سياسية جديدة، بعدما استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وعيّنها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر.

وبهذا التكليف، انتقلت المنصوري من قيادة الحزب المتصدر للانتخابات إلى مسؤولية هندسة أغلبية حكومية قادرة على تجاوز عتبة 198 مقعداً داخل مجلس النواب، وهي مهمة تجعل المشاورات المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على الانتقال من منطق الفوز الانتخابي إلى منطق بناء التوافقات السياسية.

المنصوري أعلنت أن المشاورات ستنطلق أولاً داخل حزب الأصالة والمعاصرة، قبل الانتقال إلى المشاورات مع مختلف الأحزاب السياسية، بهدف تقديم مقترح للحكومة في أقرب وقت.

لكن السؤال السياسي الأهم لا يتعلق فقط بمن يمكنه توفير العدد المطلوب من المقاعد، وإنما بمن يمكن أن يشكل مع الأصالة والمعاصرة أغلبية متجانسة سياسياً وقابلة للاستمرار خلال الولاية المقبلة.

العدالة والتنمية.. اختلاف المرجعيات يجعل التحالف بالغ الصعوبة

في قراءة لخريطة التحالفات المحتملة، يبدو حزب العدالة والتنمية من أكثر الأسماء التي يصعب تصور إدماجها في أغلبية يقودها الأصالة والمعاصرة.

فالمسألة هنا لا ترتبط فقط بالحسابات الانتخابية، وإنما أيضاً بالفوارق في المرجعيات والخطاب السياسي والتصورات العامة بين الحزبين.

الأصالة والمعاصرة تأسس بخطاب سياسي يرتبط بالحداثة والتحديث، بينما يحمل العدالة والتنمية مرجعية سياسية ذات خلفية إسلامية. وبالتالي، فإن وضع الحزبين داخل تحالف حكومي واحد سيطرح أسئلة تتجاوز توزيع الحقائب الوزارية إلى حدود الانسجام السياسي والبرنامجي بين الطرفين.

وتزداد هذه الصعوبة بالنظر إلى المسار السياسي الذي جمع الحزبين خلال السنوات الماضية، وما رافقه من صراع انتخابي وتباين في المواقف والبرامج.

لذلك، فإن استبعاد العدالة والتنمية من تركيبة الأغلبية المقبلة يبدو، من زاوية سياسية، أكثر قابلية للقراءة من إدخاله في تحالف مع الأصالة والمعاصرة، خصوصاً أن الحزب حصل على 54 مقعداً وأصبح رقماً برلمانياً مهماً، بينما تشير المعطيات المتداولة إلى توجهه نحو المعارضة.

وهنا قد تكون عودة العدالة والتنمية إلى البرلمان بوابة لإعادة بناء موقعه كقوة معارضة، بدل العودة إلى الحكومة عبر تحالف مع حزب يختلف معه في المرجعية والتصور السياسي.

الأحرار.. الحساب العددي شيء والحساب السياسي شيء آخر

المعطى الأكثر تعقيداً يتعلق بالتجمع الوطني للأحرار.

فمن الناحية العددية، حصل الحزب على 66 مقعداً، أي إنه يمثل ثاني قوة برلمانية بعد الأصالة والمعاصرة، ما يجعله رقماً لا يمكن تجاهله بسهولة في الحسابات الحكومية.

لكن السياسة لا تُختزل دائماً في عملية جمع المقاعد.

فالعلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار شهدت خلال الفترة الأخيرة تجاذبات ومواقف سياسية متبادلة، بما يجعل إعادة إنتاج التحالف السابق بين الحزبين أمراً لا يمكن افتراضه بشكل آلي.

ومن هنا يمكن طرح سيناريو إبعاد الأحرار عن الأغلبية المقبلة باعتباره احتمالاً سياسياً مطروحاً، لا باعتباره قراراً محسوماً.

فالمنصوري نفسها أعلنت الانفتاح على مختلف الأحزاب، ما يعني أن الباب لم يُغلق رسمياً أمام أي طرف. وفي الوقت ذاته، فإن طبيعة المرحلة السياسية الجديدة قد تدفع الأصالة والمعاصرة إلى البحث عن صيغة تحالف مختلفة عن التركيبة التي حكمت المرحلة السابقة.

بعبارة أخرى، قد لا يكون السؤال: هل يملك الأحرار العدد الكافي للمشاركة؟ وإنما: هل توجد أرضية سياسية جديدة تسمح بإعادة بناء الثقة والتحالف بين الطرفين؟

الاستقلال.. الورقة التي قد تعيد ترتيب المعادلة

في حال ابتعاد العدالة والتنمية والأحرار عن الصيغة الحكومية، يصبح حزب الاستقلال واحداً من أبرز المفاتيح في عملية تشكيل الأغلبية.

فالحزب حصل على 65 مقعداً، بفارق مقعد واحد فقط عن التجمع الوطني للأحرار، ما يمنحه وزناً برلمانياً وسياسياً مهماً في المشاورات.

ومن الناحية الحسابية، فإن تجميع الأصالة والمعاصرة والاستقلال لا يكفي وحده للوصول إلى الأغلبية، ما يعني أن المنصوري ستكون أمام ضرورة توسيع دائرة المشاورات نحو أحزاب أخرى.

وهنا تظهر أهمية أحزاب مثل الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، بحسب ما ستفرزه المشاورات السياسية الفعلية.

لكن توسيع الائتلاف يعني في المقابل زيادة عدد الأطراف المشاركة في صناعة القرار، وهو ما يجعل التحدي الحقيقي ليس الوصول إلى 198 مقعداً فقط، بل بناء أغلبية متماسكة سياسياً وبرنامجياً.

من أغلبية 2021 إلى هندسة مختلفة في 2026

ما يجعل المشهد الحالي مختلفاً هو أن إعادة إنتاج الأغلبية السابقة ليست مسألة تلقائية.

فالمغرب أمام خريطة انتخابية جديدة، وموازين قوى جديدة، وقيادة حكومية جديدة.

والأصالة والمعاصرة الذي كان جزءاً من الأغلبية السابقة أصبح الآن الحزب الأول، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية، وعاد العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان.

وهذا التغيير في المواقع يفرض إعادة تفاوض شاملة حول شكل الأغلبية المقبلة.

فالتحالفات لا تُبنى فقط على الذاكرة السياسية، وإنما على المصالح المشتركة والبرامج والقدرة على تدبير المرحلة.

المنصوري أمام معادلة دقيقة

فاطمة الزهراء المنصوري أمام معادلة سياسية دقيقة:

العدالة والتنمية يصعب جمعه مع الأصالة والمعاصرة بسبب اختلاف المرجعيات والمسارات السياسية، والأحرار قد يواجهون بدورهم كلفة سياسية لإعادة إنتاج تحالف سابق في ظل التجاذبات الأخيرة، فيما يصبح الاستقلال وباقي الأحزاب البرلمانية أمام فرصة للعب أدوار أكبر في هندسة الأغلبية.

لكن هذا السيناريو يظل رهيناً بما ستسفر عنه المشاورات الرسمية، ولا يمكن تحويله في هذه المرحلة إلى قرار سياسي محسوم.

واللافت أن المنصوري اختارت، في أول تصريح لها بعد التكليف الملكي، الحديث عن حكومة تكون في مستوى انتظارات الملك والمواطنين، وعن برنامج يقدم حلولاً “حقيقية وواقعية”، مع التشديد على أهمية انتظارات الشباب.

وهذا يعني أن المشاورات المقبلة لن تكون، في جوهرها، مجرد مفاوضات حول المناصب والحقائب، بل يفترض أن تكون مفاوضات حول برنامج حكومي وأولويات المرحلة وشكل الأغلبية القادرة على تنفيذها.

حكومة جديدة بعقلية سياسية جديدة؟

المؤشرات الأولى توحي بأن تشكيل حكومة 2026 قد لا يكون مجرد إعادة تدوير لتركيبة سياسية سابقة.

فإذا اتجهت المنصوري فعلاً إلى بناء أغلبية لا تضم العدالة والتنمية ولا التجمع الوطني للأحرار، فإنها ستكون أمام هندسة سياسية مختلفة، تقوم على استقطاب أحزاب أخرى وبناء تحالف متعدد الأطراف حول برنامج مشترك.

غير أن نجاح هذه الصيغة سيتوقف على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين العدد والانسجام والكفاءة السياسية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية المشاورات المقبلة.

فالتكليف الملكي منح المنصوري مسؤولية تشكيل الحكومة، لكن نجاحها في هذه المهمة سيتحدد بقدرتها على تحويل تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات إلى أغلبية حكومية مستقرة، وبرنامج سياسي واضح، وفريق قادر على تحمل استحقاقات المرحلة المقبلة.

وبذلك، فإن معركة تشكيل الحكومة الجديدة قد تكون في جوهرها معركة حول سؤال أكبر من توزيع الحقائب:

هل ستعيد المنصوري إنتاج تحالفات المرحلة السابقة، أم ستؤسس لخريطة حكومية جديدة تنطلق من موازين القوى التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر 2026؟

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد