عصام سبادي
قد يبدو مشهد مجموعة من الكلاب تتجول في شارع أو قرب مدرسة أو بجوار حي سكني أمراً اعتاده كثيرون، إلى درجة أن وجودها أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. لكن الاعتياد لا يعني أن الخطر غير موجود، كما أن الخوف من بعض الكلاب لا يبرر النظر إليها جميعاً باعتبارها مصدر تهديد. وبين طفل قد يخشى المرور من شارع معين، ومسن يتجنب الخروج في ساعات معينة، وحيوان يبحث عن الطعام في ظروف قاسية، تبرز مشكلة تحتاج إلى معالجة تتجاوز ردود الفعل الظرفية: كيف نحمي الإنسان دون أن يتحول ذلك إلى مبرر للتعامل القاسي مع الحيوان؟
المسألة أكثر تعقيداً من مجرد وجود كلاب في الشوارع، لأن انتشارها قد يرتبط بعوامل متعددة، من التخلي عن الحيوانات الأليفة والتكاثر غير المنظم إلى توفر مصادر الطعام في بعض المناطق وغياب التدبير المستمر للظاهرة. كما أن بعض هذه الحيوانات تكون في وضع صحي صعب أو تعاني الجوع والعطش والإصابات، وقد تتحول ظروف عيشها نفسها إلى عامل يزيد من سلوكها الدفاعي أو العدواني في بعض الحالات. لذلك فإن التعامل مع الظاهرة باعتبارها مشكلة أمنية فقط قد يغفل جانباً إنسانياً وبيئياً لا يمكن تجاهله.
وفي المقابل، فإن التعاطف مع الحيوانات لا ينبغي أن يعني التقليل من مخاوف السكان أو تجاهل مسؤولية حماية الأطفال والراجلين ومستعملي الفضاءات العمومية. فحين تصبح مجموعة من الكلاب مصدر خوف متكرر بالقرب من مدرسة أو مؤسسة صحية أو حي سكني، فإن الأمر يتحول من مشهد عابر إلى قضية تتطلب تدبيراً منظماً. المطلوب هنا ليس الاختيار بين الإنسان والحيوان، وإنما البحث عن حلول تقلل المخاطر وتحترم الرفق بالحيوان في الوقت نفسه، من خلال تدخلات مستمرة ومنظمة تشمل الحد من التكاثر غير المرغوب فيه، والتعامل مع الحيوانات المصابة أو العدوانية وفق الضوابط المعمول بها، وتعزيز التوعية بمسؤولية اقتناء الحيوانات وعدم التخلي عنها.
وفي النهاية، فإن المدينة التي تحمي سكانها لا تحتاج إلى أن تكون قاسية على الحيوانات، والمدينة التي تحترم الحيوانات لا يمكن أن تتجاهل سلامة سكانها. الكلاب الموجودة في الشوارع ليست جميعها متشابهة، كما أن الخطر المحتمل منها ليس مبرراً للتعامل الجماعي معها بمنطق العقاب. وبين حق الإنسان في شارع آمن وحق الحيوان في ألا يتحول إلى ضحية للإهمال أو التخلي، تبقى المسؤولية في إيجاد تدبير متوازن ومستدام. فالمطلوب ليس أن تختفي الحيوانات من المشهد بأي وسيلة، ولا أن يتعايش الناس مع الخوف باعتباره أمراً عادياً، وإنما أن يصبح وجودها في المجال العام خاضعاً لتدبير يحمي الحياة والكرامة معاً.
