الحوادث في الفضاء العام.. بين التجمهر والتوثيق بالهواتف وضرورة التبليغ إلى الجهات المختصة

عصام سبادي

في لحظة يفترض أن تتقدم فيها المساعدة على كل شيء، قد يجد المصاب نفسه محاطاً بالهواتف أكثر مما هو محاط بالأيدي الممدودة للمساعدة. مشهد حادث في الطريق أو سقوط شخص أو حالة إغماء قد يستقطب عشرات المتجمهرين خلال دقائق، بعضهم يقترب بدافع الفضول وبعضهم يكتفي بالمشاهدة وآخرون يخرجون هواتفهم لتوثيق ما يحدث. وبينما يكون الوقت بالنسبة إلى المصاب عاملاً حاسماً، تتحول الواقعة في بعض الأحيان من حالة تستدعي التدخل والتبليغ إلى مشهد يستقطب المتفرجين.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل من يتجمع حول حادث يتعمد إهمال المصاب أو أن كل من يصور الواقعة يسعى إلى التشهير أو الاستغلال. فقد يكون بعض الأشخاص غير قادرين على تقديم الإسعافات الأولية، أو يعتقدون أن شخصاً آخر سبقهم إلى الاتصال بالجهات المختصة، أو يجهلون ببساطة ما ينبغي فعله في مثل هذه الحالات. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التصوير والمشاهدة بديلاً عن أبسط أشكال المساعدة الممكنة، مثل إبعاد المتجمهرين عن المصاب، تأمين المكان إذا كان ذلك ممكناً، أو إبلاغ الجهات المختصة بالمعلومات الأساسية حول الواقعة.

والأخطر أن كثرة المتجمهرين قد تؤدي في بعض الحالات إلى تعقيد عملية التدخل بدل تسهيلها، خصوصاً عندما تضيق المساحة أمام سيارات الإسعاف أو تتعطل حركة المرور أو يصبح الوصول إلى مكان الحادث أكثر صعوبة. كما أن تداول صور أو مقاطع تُظهر أشخاصاً في أوضاع حرجة يطرح بدوره أسئلة مرتبطة بالخصوصية والكرامة الإنسانية، خصوصاً عندما يتم نشر تلك المواد خارج سياق الحاجة إلى التبليغ أو التوثيق المشروع. لذلك لا يتعلق الأمر فقط بما يفعله الفرد في مكان الحادث، بل أيضاً بما يختار فعله بعد ذلك عندما يقرر نشر صورة أو مقطع قد يمس شخصاً يوجد في وضع لا يملك فيه القدرة على حماية خصوصيته.

المطلوب ليس تحويل المواطن إلى مسعف محترف ولا تحميل المتجمهرين مسؤوليات لا تقع عليهم، وإنما ترسيخ ثقافة بسيطة وواضحة: إذا لم تكن قادراً على المساعدة فلا تجعل وجودك عائقاً أمام من يستطيع ذلك. فالاتصال بالجهات المختصة، وترك المجال أمام فرق التدخل، وتجنب تداول صور الأشخاص في أوضاع حساسة، قد تكون في كثير من الأحيان أهم من الحصول على مقطع يوثق الواقعة. وبين فضول المشاهدة وواجب التبليغ والمساعدة الممكنة، يبقى السؤال الأهم: عندما يقع الحادث أمامنا، هل نتصرف بما يخدم الإنسان أولاً أم نكتفي بأن نكون شهوداً على المشهد؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد