وسعت مصالح المراقبة الجمركية اعتماد أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لرصد عمليات الاستيراد التي تظهر بشأنها مؤشرات مخاطر، خصوصاً تلك المرتبطة بالقيم المصرح بها للسلع المستوردة. وتتيح هذه التقنيات معالجة كميات كبيرة من المعطيات ومقارنتها في وقت وجيز، بما يساعد على تحديد العمليات التي تستدعي مزيداً من التدقيق، من خلال رصد تفاوتات بين الأسعار الواردة في الفواتير والمعطيات المتاحة حول سلع مماثلة في الأسواق الخارجية. ويأتي هذا التوجه في سياق تطوير أساليب المراقبة الجمركية والانتقال تدريجياً من الفحص التقليدي إلى منظومة تعتمد بصورة أكبر على تحليل المخاطر والاستهداف المسبق للعمليات التي تستوجب التحقق.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط القيمة المصرح بها للسلع بالرسوم والالتزامات الجمركية والجبائية المستحقة عنها. لذلك، فإن مقارنة الفواتير بالمعطيات التجارية المتاحة لا تستهدف الرقم في حد ذاته، وإنما ترمي إلى التحقق من مدى انسجامه مع طبيعة الصفقة والسلعة ومصدرها وشروط اقتنائها. كما يسمح تقاطع البيانات الجمركية مع المعلومات التجارية والمالية المتاحة بتكوين صورة أكثر شمولاً عن العملية، بدل الاكتفاء بوثيقة منفردة قد لا تعكس وحدها جميع عناصر المعاملة التجارية. ومتى أظهرت إجراءات التحقق وجود ما يبرر قانوناً مراجعة بعض التصريحات، يمكن أن تترتب عن ذلك تصحيحات في القيمة أو تسويات للمستحقات وفق المساطر المعمول بها.
ولا يتوقف أثر هذه المراقبة عند حماية الموارد العمومية، بل يمتد إلى مسألة تكافؤ شروط المنافسة داخل السوق الوطنية. فإذا ثبت، بعد استكمال إجراءات التحقق، أن قيمة سلع معينة صُرّح بها على نحو غير مطابق للمعطيات التي يتعين اعتمادها قانوناً، فقد يترتب عن ذلك اختلاف في الكلفة الجمركية والجبائية بين متعاملين ينشطون في المجال نفسه. وفي المقابل، فإن الاعتماد المتزايد على أدوات التحليل الآلي يفرض التعامل مع نتائجها باعتبارها مؤشرات للمخاطر وليست أحكاماً مسبقة على المستوردين أو المصدرين. فالفوارق في الأسعار قد تكون لها أسباب تجارية مشروعة ترتبط بجودة المنتجات أو حجم الصفقات أو شروط التعاقد والنقل ومصدر السلع، وهو ما يجعل فحص السياق الكامل لكل عملية أمراً أساسياً قبل ترتيب أي آثار قانونية. وبذلك، فإن مجرد إدراج عملية ضمن دائرة المخاطر أو رصد تفاوت في قيمتها المصرح بها لا يشكل، في حد ذاته، إثباتاً لوجود مخالفة، وإنما يظل مؤشراً يستوجب التحقق وفق الضوابط والإجراءات القانونية المعمول بها.
ويكشف هذا التحول في النهاية عن انتقال تدريجي نحو منظومة جمركية أكثر اعتماداً على تحليل المخاطر وربط البيانات واستهداف العمليات التي تستدعي التدقيق. غير أن فعالية الذكاء الاصطناعي ستظل مرتبطة بجودة المعطيات التي يعتمد عليها ودقة المعايير المستخدمة في تحليلها، وبقدرة المصالح المختصة على التمييز بين الاختلاف التجاري الطبيعي والمؤشرات التي تستوجب تعميق البحث. فالخوارزمية تستطيع أن تلفت الانتباه إلى رقم غير مألوف أو عملية غير اعتيادية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحسم طبيعة الواقعة أو تثبت مسؤولية أي طرف. ومن ثم، فإن التحدي يتمثل في تحقيق التوازن بين تشديد المراقبة وحماية المداخيل العمومية من جهة، وضمان التجارة المشروعة وحقوق المتعاملين من جهة أخرى، بما يجعل التكنولوجيا أداة لتعزيز التحقق وليس بديلاً عن المساطر القانونية.
