أشرف بونان
شرعت آليات الهدم، مساء اليوم، في إزالة عدد من المباني السكنية المعروفة لدى ساكنة مدينة العيون باسم «كجيجيمات»، والقريبة من شارع حبوها، في مشهد أعاد إلى الواجهة ملف هذه البنايات التي ظلت لسنوات طويلة مغلقة الأبواب، وسط تساؤلات متجددة حول الغاية من تشييدها، ومصيرها، وما الذي تقرر بشأن العقار الذي تحتله اليوم.
هذه المباني كانت، وفق المعطيات المتداولة محلياً، مخصصة في إطار ترتيبات سكنية لفائدة العائدين إلى أرض الوطن من مخيمات جبهة البوليساريو الانفصالية، قبل أن تتحول مع مرور السنوات إلى بنايات مغلقة لا تؤدي الوظيفة التي أنشئت من أجلها، فيما بقيت محيطة بسياج من الحراسة والمراقبة، بعدما أصبحت محط أنظار فئات من الشباب الباحث عن السكن.
ولم يكن ملف هذه المباني بعيداً عن الاحتقان الاجتماعي المرتبط بأزمة السكن، إذ سبق أن شهدت المنطقة واقعة اقتحام من طرف عدد من الشباب العاطل عن العمل، في سياق مطالب مرتبطة بالاستفادة من السكن، وهو ما جعل السلطات تتدخل لاحقاً لتشديد الحراسة على هذه البنايات والحيلولة دون تكرار مثل هذه الوقائع.
ومنذ ذلك الحين، ظلت «كجيجيمات» شاهدة على مفارقة لافتة: بنايات سكنية يفترض أن توفر وحدات للاستقرار، لكنها ظلت مغلقة لسنوات، في مدينة يعرف ملف السكن فيها حساسية اجتماعية كبيرة، خصوصاً في أوساط الشباب والأسر التي تواجه صعوبة في الولوج إلى السكن.
واليوم، ومع دخول آليات الهدم إلى المكان وبدء إزالة هذه المباني، يعود السؤال بقوة حول المرحلة المقبلة، ليس فقط بشأن سبب الهدم، وإنما أيضاً حول ما سيحل محل هذه البنايات بعد إزالتها، وما إذا كان هناك مشروع محدد ومعلن لإعادة استغلال الوعاء العقاري الذي تحتله.
فهل يتعلق الأمر بإعادة تهيئة شاملة للفضاء؟ أم بمشروع سكني جديد؟ أم بمرفق عمومي أو تجهيز اجتماعي؟ أم أن الأمر يدخل ضمن تصور عمراني أوسع لإعادة ترتيب المنطقة المحاذية لشارع حبوها؟
أسئلة مشروعة تفرض نفسها في ظل غياب معطيات واضحة ومتداولة للعموم حول طبيعة المشروع الذي سيعقب عملية الهدم، خصوصاً أن الأمر يتعلق بعقار وبنايات ظلت لسنوات حاضرة في ذاكرة المدينة، وارتبطت بملف اجتماعي حساس هو ملف السكن والاستفادة منه.
والأهم أن عملية الهدم، في حد ذاتها، لا ينبغي أن تكون نهاية القصة، بل بداية لتوضيح الرؤية أمام الرأي العام المحلي، حتى تعرف ساكنة العيون ماذا سيقام فوق هذا الموقع، وما هي الجهة الحاملة للمشروع، وما هي الكلفة والآجال والأهداف الاجتماعية والعمرانية المرتقبة.
فالمدينة اليوم لا تحتاج فقط إلى إزالة بنايات قديمة أو غير مستغلة، وإنما تحتاج إلى معرفة ما سيأتي بعدها، وكيف سيتم توظيف العقار بما يخدم المصلحة العامة ويستجيب للحاجيات الحقيقية للساكنة.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى السلطات المحلية، وفي مقدمتها السيد والي جهة العيون الساقية الحمراء، من أجل توضيح الصورة للرأي العام، والكشف عن طبيعة المشروع المرتقب بهذا الموقع، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمكان ظل لسنوات مرتبطاً بانتظارات اجتماعية وبملف السكن.
إن هدم «كجيجيمات» قد يطوي صفحة من تاريخ هذه البنايات، لكنه يفتح في المقابل صفحة جديدة من الأسئلة المشروعة: ماذا بعد الهدم؟ ومن سيستفيد من العقار؟ وما المشروع الذي سيعوض هذه المباني؟ وهل سيكون للساكنة نصيب من معرفة تفاصيله قبل أن تبدأ الأشغال؟
أسئلة تنتظر أجوبة واضحة، لأن المواطن لا يريد فقط أن يرى آليات الهدم وهي تزيل بنايات ظلت مغلقة لسنوات، بل يريد أن يعرف أيضاً ماذا سيولد من تحت أنقاضها، وما القيمة التي سيضيفها المشروع المقبل إلى مدينة العيون.
