صناعة السيارات تعيد رسم خريطة الاقتصاد المغربي وتدفع بالصناعة نحو منظومة إنتاج متكاملة

أظهرت معطيات مكتب الصرف أن صادرات قطاع السيارات بالمغرب بلغت نحو 116.148 مليار درهم إلى نهاية غشت 2026 مقابل 101.412 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، مسجلة نمواً بنسبة 14.5 في المائة. ولا يتعلق الأمر فقط بارتفاع قيمة السيارات المصدرة، إذ تكشف تفاصيل الأداء أن النمو شمل بالخصوص قطاع البناء بزيادة بلغت 19 في المائة إلى 44.747 مليار درهم، وقطاع الأسلاك والكابلات بزيادة 13.9 في المائة إلى 44.777 مليار درهم، فيما ارتفعت صادرات التجهيزات الخارجية بنسبة 43.6 في المائة إلى 3.769 مليار درهم. وتضع هذه الأرقام قطاع السيارات في صدارة القطاعات التصديرية من حيث الدينامية خلال هذه الفترة، في وقت بلغت فيه صادرات المغرب الإجمالية 334.892 مليار درهم.

 

الأهم في هذه المعطيات أن صناعة السيارات لم تعد تختزل في مصانع تقوم بتجميع المركبات ثم توجيهها إلى الأسواق الخارجية، بل تحولت تدريجياً إلى منظومة صناعية تضم شركات وموردين ومصنعي مكونات وخدمات هندسية ولوجستية وتكويناً متخصصاً. وتؤكد وزارة الصناعة والتجارة أن اعتماد منطق “الإيكوسيستيمات” ساهم في تعزيز الاندماج وتنظيم سلاسل الإنتاج، مع بروز أنشطة تشمل الكابلات والمقاعد والداخلية والمعادن والمحركات ونقل الحركة وغيرها. كما أن منصات مثل طنجة المتوسط أصبحت مرتبطة مباشرة بهذا النموذج، إذ تضم منظومة من الفاعلين في صناعة السيارات ومكوناتها، فيما توجه منتجات عدد من الموردين إلى مصانع داخل المغرب وإلى مواقع إنتاج أوروبية.

 

ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن التحول الذي أحدثه القطاع يتجاوز قيمة الصادرات المباشرة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الصناعة والاستثمار والتكوين واللوجستيك والتصدير. وتبرز حالة مصنع رونو بطنجة، الذي تنتج منصته المغربية مئات آلاف السيارات وتصدر نسبة كبيرة من إنتاجها إلى عشرات الوجهات، إلى جانب شبكة من الموردين والتخصصات الصناعية المرتبطة بها. كما أعلنت “ستيلانتيس” عن توسعات مهمة في موقع القنيطرة، تشمل رفع قدرات الإنتاج وتطوير أنشطة مرتبطة بالتنقل الكهربائي، مع استهداف رفع مشتريات المجموعة من الموردين المحليين إلى أكثر من 6 مليارات يورو بحلول 2030 وبلوغ معدل اندماج محلي مستهدف في حدود 75 في المائة. وهي مؤشرات تعكس، في حدود ما تسمح به المعطيات المعلنة، انتقال الرهان من استقطاب مصنع إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على تغذية سلاسل قيمة دولية.

 

غير أن هذا التحول يضع أمام الاقتصاد المغربي تحدياً موازياً يتمثل في تعميق القيمة المضافة المحلية وتقوية تنافسية الموردين المغاربة وتطوير المهارات والتكنولوجيا وتقليص الارتهان للمكونات المستوردة. فارتفاع صادرات السيارات مؤشر مهم على قدرة المغرب على الاندماج في الصناعة العالمية، لكنه لا يعني بمفرده أن كامل القيمة المتولدة عن هذه الصادرات تبقى داخل الاقتصاد الوطني. لذلك يبدو الرهان المقبل مرتبطاً بمدى قدرة المنظومة على الانتقال من التصنيع والتجميع إلى تطوير مكونات أكثر تعقيداً، والهندسة والبحث والتطوير والتقنيات المرتبطة بالسيارات الكهربائية، بما يجعل صناعة السيارات ليس فقط مصدراً مهماً للعملة الصعبة، وإنما رافعة لتوسيع القاعدة الصناعية المغربية وخلق روابط أعمق بين الاستثمار والإنتاج المحلي والتكوين والتصدير. ويكتسب هذا الرهان أهمية إضافية في ظل استمرار ارتفاع الواردات المغربية بوتيرة أسرع من الصادرات خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ما يجعل تعميق الاندماج الصناعي أحد الملفات المرتبطة بتوازن التجارة الخارجية على المدى المتوسط.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد