الطريق والطقس والبنية التحتية.. من يتحمل كلفة المفاجآت المناخية؟

قد تنزل الأمطار لساعات، لكن فاتورتها قد تمتد لأشهر وسنوات؛ طريق تُغلق، منشأة تتضرر، حركة تتعطل، ومرافق تجد نفسها أمام كلفة لم تكن في الحسبان. هنا لا يعود النقاش متعلقاً بالأمطار وحدها، بل بقدرة البنية التحتية على مواجهة ما قد تحمله السماء، وبمدى استعداد المنظومة الوطنية للتعامل مع الظواهر الجوية القوية قبل أن تتحول إلى أضرار على الأرض. فكل واقعة من هذا النوع تضع أمامنا سؤالاً مشروعاً: هل يكفي أن نعيد إصلاح ما تضرر، أم أن المطلوب هو بناء طرق ومنشآت وشبكات قادرة على الصمود أمام مخاطر مناخية أصبحت جزءاً من معادلة التخطيط؟ والسؤال هنا لا يفترض وجود تقصير لدى أي جهة، ولا يحسم مسبقاً أسباب أي ضرر، وإنما يفتح نقاشاً حول الاستباق والوقاية وجودة التخطيط والصيانة، وهي عناصر لا يمكن تقييمها إلا بالمعطيات التقنية والقانونية الخاصة بكل حالة.

 

فالبنية التحتية لا تُختبر في الأيام العادية فقط، وإنما تظهر قدرتها الحقيقية عندما تواجه الظروف الصعبة. الطريق والقنطرة وشبكة تصريف مياه الأمطار والمنشأة الواقية من الفيضانات ليست عناصر منفصلة، بل أجزاء من منظومة يفترض أن تتكامل فيها الدراسة والتصميم والإنجاز والمراقبة والصيانة والتدخل. وفي المقابل، فإن قوة الظاهرة الطبيعية قد تكون عاملاً حاسماً في حجم الضرر، ولذلك لا يمكن اعتبار تضرر منشأة، في حد ذاته، دليلاً على وجود خلل أو تقصير. تحديد المسؤولية، إن كان لها محل، يحتاج إلى معرفة طبيعة المنشأة والجهة المكلفة بها وشروط إنجازها وصيانتها والظروف التي أحاطت بالواقعة، ثم الاستناد إلى المعاينة والخبرة والوثائق والمعايير القانونية والتقنية ذات الصلة.

 

لكن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على سؤال الإصلاح هو سؤال الوقاية. فحين تكون مناطق أو منشآت معرضة للفيضانات أو السيول أو الانجرافات، تصبح المعطيات المناخية والهيدرولوجية جزءاً أساسياً من التخطيط، كما تصبح صيانة شبكات التصريف وتقوية النقاط الحساسة وتحيين خرائط المخاطر والإنذار المبكر والاستعداد للتدخل عناصر لا تقل أهمية عن إنجاز المشروع نفسه. وقد اعتمد المغرب خلال السنوات الماضية برامج واستراتيجيات لتعزيز الوقاية من مخاطر الكوارث وتقوية القدرة على الصمود، غير أن طبيعة المخاطر المتغيرة تفرض استمرار التقييم والتحديث. فالمطلوب ليس فقط أن تكون البنية التحتية صالحة عندما تكون الظروف طبيعية، وإنما أن تكون لديها هوامش أمان وقدرة على الاستجابة عندما تصبح الظروف استثنائية.

 

وفي المحصلة، المعركة الحقيقية مع الظواهر المناخية لا تبدأ عندما تغمر المياه الطريق، بل قبل ذلك بكثير: في مكتب المهندس، وفي دراسة المشروع، وفي شبكة التصريف، وفي برامج الصيانة، وفي خرائط المخاطر، وفي جاهزية فرق التدخل. ومن هنا فإن كلفة المفاجآت المناخية يجب ألا تقاس فقط بما يُنفق لإصلاح الأضرار، وإنما أيضاً بما يمكن تفاديه عندما تكون الوقاية حاضرة في الوقت المناسب. لا يمكن منع كل فيضان ولا تحييد كل خطر طبيعي، كما لا يجوز تحويل كل ضرر إلى اتهام أو تحميل مسؤولية دون إثبات؛ لكن يمكن تقليص الخسائر وتعزيز الصمود عبر التخطيط والاستباق والاستثمار في السلامة. أما تحديد المسؤولية عن واقعة بعينها، فيبقى مسألة موضوعية تحسمها الوقائع والخبرة والاختصاصات والنصوص القانونية ذات الصلة. وفي هذه المسافة بين ما تفرضه الطبيعة وما تستطيع البنية التحتية تحمله، يوجد التحدي الحقيقي أمام المغرب: كيف نجعل الاستعداد للظروف الاستثنائية جزءاً من الحياة العادية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد