أنهت بورصة الدار البيضاء شهر شتنبر على وقع تصحيح قوي أعاد ترتيب حسابات المستثمرين، بعدما فقدت السوق خلال ثلاثة أسابيع فقط ما يزيد عن 60 مليار درهم من رسملتها، في وقت انتقل فيه الاهتمام من وفرة السيولة إلى قدرة الشركات المدرجة على الحفاظ على أرباحها وهوامشها المالية.
وأغلق المؤشر الرئيسي “مازي” آخر جلسات شتنبر عند مستوى 17.754,91 نقطة، لترتفع خسارته منذ بداية السنة إلى حوالي 5,8 في المائة، بعدما كان قد بلغ في 8 شتنبر مستوى 18.811,95 نقطة، قبل أن يدخل في موجة تراجع سريعة محاّت جزءا كبيرا من المكاسب التي حققها خلال فصل الصيف.
وانعكس هذا التصحيح مباشرة على القيمة الإجمالية للسوق، التي تراجعت من حوالي 1.108 مليار درهم إلى نحو 1.044 مليار درهم، في انخفاض تجاوز 60 مليار درهم خلال فترة زمنية قصيرة.
ويأتي هذا التحول بعد ثلاث سنوات من الأداء الصاعد للسوق، كان أبرزها سنة 2025 التي سجل خلالها المؤشر قفزة بلغت 27,6 في المائة. غير أن نتائج الشركات برسم النصف الأول من السنة كشفت عن صورة أكثر تعقيدا، إذ أظهرت معطيات 69 شركة تمثل حوالي 99 في المائة من رسملة البورصة ارتفاع رقم معاملاتها بنسبة 10,7 في المائة، ليصل إلى 190,8 مليار درهم.
لكن عند استبعاد قطاع المعادن، الذي استفاد من الارتفاع الكبير في الأسعار العالمية، ينخفض معدل نمو الإيرادات إلى 5,6 في المائة، وهو ما دفع المستثمرين إلى التمييز بشكل أكبر بين الشركات والقطاعات بدل التعامل مع السوق ككتلة واحدة.
ويرى محللون أن المرحلة الحالية تختلف عن الفترة السابقة التي استفادت فيها الأسهم بشكل كبير من تدفقات السيولة. فقد أصبح المستثمرون يولون أهمية أكبر لجودة الأرباح، وهوامش التشغيل، وحجم المديونية، فضلا عن قدرة الشركات على تحويل نمو نشاطها إلى تدفقات نقدية حقيقية ومستدامة.
ويظهر هذا التفاوت أيضا على مستوى مؤشرات السوق، حيث سجل مؤشر “مازي 20″، الذي يضم أكبر الشركات المدرجة، تراجعا بلغ 13,93 في المائة منذ بداية السنة، في ظل عمليات لجني الأرباح طالت عددا من الأسهم ذات الرسملة الكبيرة، وعلى رأسها الأسهم البنكية التي باتت نتائجها تخضع لمراقبة دقيقة، خصوصا من حيث كلفة المخاطر وجودة الأصول.
وفي المقابل، تمكن مؤشر “مازي ESG” المرتبط بالشركات التي تستجيب لمعايير الحكامة والمسؤولية والاستدامة من الحفاظ على أداء إيجابي، مسجلا ارتفاعا بنسبة 4,34 في المائة منذ بداية السنة.
ورغم موجة التصحيح، لا تزال بعض القطاعات تستفيد من حجم الاستثمارات العمومية المرتقبة، خصوصا البناء والأشغال العمومية، في ظل برنامج استثماري حكومي مبرمج لسنة 2026 تصل قيمته إلى 380 مليار درهم.
وتشكل مشاريع البنية التحتية، من الماء والطرق والموانئ إلى المنشآت الرياضية، دعما مهما للشركات العاملة في القطاع، حيث بلغت قيمة الطلبيات المتراكمة لدى ثلاث شركات مدرجة حوالي 76 مليار درهم، موزعة بين SGTM بنحو 34,8 مليار درهم، وTGCC بحوالي 28,4 مليار درهم، وجيت كونتراكتورز بنحو 12,8 مليار درهم.
غير أن ارتفاع دفاتر الطلبيات لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح بالوتيرة نفسها، إذ تظل الشركات مطالبة بالتحكم في تكاليف التنفيذ والحفاظ على هوامشها، خصوصا في ظل تقلب أسعار المواد الأولية وارتفاع تكاليف اليد العاملة والتمويل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لمديري المحافظ الاستثمارية، الذين باتوا يركزون بصورة أكبر على نوعية النمو ومدى قابليته للتحول إلى أرباح وتدفقات نقدية، بدلا من الاكتفاء بحجم العقود أو نمو رقم المعاملات.
وفي الجانب النقدي، ساهم إبقاء بنك المغرب سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 2,25 في المائة في توفير ظروف تمويل أكثر ملاءمة، بالتزامن مع استمرار ارتفاع اهتمام المستثمرين الأفراد بالسوق، حيث تجاوز عدد حسابات السندات 401 ألف حساب.
كما ارتفعت أصول صناديق الأسهم إلى حوالي 77,2 مليار درهم، فيما شكل الإقبال الكبير على إدراج مجموعة T2S مؤشرا إضافيا على استمرار وجود سيولة مهمة تبحث عن فرص استثمارية في السوق.
وخلال عملية الإدراج، وصلت قيمة الطلبات إلى نحو 48,1 مليار درهم، مقابل عرض لم يتجاوز 1,1 مليار درهم، بما يعكس حجم الطلب المتاح على الأسهم الجديدة عندما تتوفر فرص استثمارية تعتبرها السوق جذابة.
في المقابل، تظل التطورات الخارجية عاملا ضاغطا على توقعات السوق، خصوصا مع بقاء أسعار خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما قد يرفع مخاطر التضخم المستورد ويزيد من تكاليف عدد من الشركات الصناعية.
كما يمكن لارتفاع أسعار الطاقة أن ينعكس على هوامش الشركات وعلى توجهات المستثمرين في سوق السندات، خاصة إذا أصبحت العوائد المتاحة في أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية مقارنة ببعض الاستثمارات في الأسهم.
وبذلك تدخل بورصة الدار البيضاء الأشهر الأخيرة من سنة 2026 في مرحلة مختلفة عن تلك التي طبعت الفترة السابقة، بعدما أظهرت موجة التصحيح أن ارتفاع السوق لم يعد يشمل مختلف الأسهم والقطاعات بالوتيرة نفسها.
وتبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الشركات المدرجة على تحويل المشاريع والعقود إلى نتائج مالية فعلية، مع الحفاظ على هوامش الربح والسيولة ومواجهة ارتفاع التكاليف.
وفي ظل استمرار المؤشرات الاقتصادية الإيجابية من جهة، وتزايد الضغوط المرتبطة بالأسعار والتمويل والأسواق الخارجية من جهة أخرى، يبدو أن المستثمرين أصبحوا أمام سوق أكثر انتقائية، تكون فيها جودة الأداء المالي وقدرة الشركات على تحقيق أرباح مستدامة العامل الحاسم في تحديد اتجاهات الأسهم.
