تكبدت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط خسائر صافية بلغت نحو 2.8 مليار درهم خلال النصف الأول من السنة، بعدما كانت قد حققت أرباحا بقيمة 8.6 مليار درهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في أداء مالي يعكس حجم الضغوط التي واجهتها المجموعة في الأسواق الدولية.
وتعد هذه النتيجة أول خسارة نصف سنوية تسجلها المجموعة منذ النصف الأول من سنة 2020، في وقت تراجعت فيه مداخيلها خلال الأشهر الستة الأولى بنسبة 7.3 في المائة على أساس سنوي، لتستقر عند حوالي 48.3 مليار درهم.
وأرجعت المجموعة هذا التراجع إلى انخفاض الكميات المصدرة، بالتزامن مع ضعف الطلب العالمي على منتجات الأسمدة، خاصة في عدد من الأسواق الرئيسية مثل الهند وأوروبا وأفريقيا، مقابل تحسن المبيعات في القارتين الأمريكيتين، ولا سيما بالسوق البرازيلية.
ولم تقتصر الضغوط على جانب الطلب، إذ واجهت المجموعة ارتفاعا حادا في أسعار عدد من المواد الأساسية التي تدخل في عمليات الإنتاج، وفي مقدمتها الكبريت والأمونيا، إلى جانب اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
ويكتسي الكبريت أهمية خاصة بالنسبة لصناعة الأسمدة الفوسفاطية، باعتباره مكونا رئيسيا في إنتاج حمض الكبريتيك. وقد ساهمت الاضطرابات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والحرب في منطقة إيران في زيادة صعوبة تأمين الإمدادات ورفع كلفتها، خصوصا مع اضطراب حركة النقل عبر مضيق هرمز.
كما اضطرت المجموعة إلى تنفيذ عمليات صيانة خلال الربع الثاني، في وقت أدى فيه النقص المسجل في الكبريت والأمونيا إلى التأثير على ما يقارب 30 في المائة من الطاقة الإنتاجية.
وتعتمد السوق المغربية في توفير احتياجاتها من الكبريت على عدد من الموردين الخارجيين، من بينهم كازاخستان والسعودية والإمارات، فيما دخلت المملكة أيضا في مباحثات مع العراق بشأن إمكانية تأمين شحنات إضافية من هذه المادة.
وتظهر بيانات التجارة الخارجية حجم الارتفاع الذي عرفته كلفة استيراد الكبريت، إذ بلغت قيمة الواردات المغربية من هذه المادة نحو 20.2 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، بزيادة بلغت 159 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي المقابل، انخفضت الكميات المستوردة بنسبة 9 في المائة، لتصل إلى نحو 3.68 مليون طن، غير أن متوسط سعر الطن المستورد ارتفع بشكل كبير، مسجلا زيادة قدرها 182 في المائة ليبلغ حوالي 5490 درهما.
وتبرز هذه الأرقام مدى حساسية صناعة الأسمدة المغربية لتقلبات أسعار المواد الأولية وحركة التجارة الدولية، رغم امتلاك المملكة واحدة من أكبر الثروات الفوسفاطية في العالم، إذ تقدر حصتها من الاحتياطي العالمي بنحو 70 في المائة.
وتواجه المجموعة تحديا مزدوجا يتمثل من جهة في الحفاظ على تنافسيتها في الأسواق الدولية، ومن جهة أخرى في التحكم في كلفة المواد التي تحتاجها لتحويل الفوسفاط إلى منتجات وأسمدة ذات قيمة مضافة.
وفي مواجهة هذه الظروف، أكد مصطفى التراب، الرئيس المدير العام للمجموعة، أن القرارات المتعلقة بمستويات الإنتاج وتدبير إمدادات المواد الأولية وتنويع المنتجات ساعدت على الحفاظ على قدر من المرونة في الأداء، رغم الارتفاع الكبير في أسعار الكبريت والأمونيا.
وأوضح أن المجموعة عملت بشكل استباقي على تأمين مخزونات من الكبريت قبل تسجيل الارتفاعات القوية في الأسعار، كما تقدمت بجزء من برنامج الصيانة المقرر أصلا للنصف الثاني من السنة إلى بداية الربع الثاني، بهدف ضمان مرونة أكبر في العمليات خلال ما تبقى من السنة.
وبالتوازي مع ذلك، تتجه المجموعة إلى توسيع إنتاجها من سماد الفوسفاط الثلاثي “TSP”، الذي يتطلب كميات أقل بكثير من الكبريت ولا يعتمد على الأمونيا، وهو ما من شأنه تخفيف تعرض المجموعة لتقلبات أسعار بعض المواد الأولية.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق برنامج استثماري ضخم تقوده المجموعة بقيمة تصل إلى 13 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2027.
ويهدف البرنامج إلى رفع الطاقة الإنتاجية للأسمدة من 12 مليون طن إلى 20 مليون طن، إلى جانب تسريع الانتقال نحو الطاقات النظيفة وتقليص البصمة الكربونية، مع التطلع إلى تحقيق الحياد الكربوني في أفق سنة 2040.
كما يشمل البرنامج تطوير قدرات في مجال الطاقة النظيفة تصل إلى 5 غيغاواط، وإنتاج نحو 560 مليون متر مكعب من المياه المحلاة، فضلا عن تطوير إنتاج الأمونيا الخضراء، بما قد يتيح للمجموعة مستقبلا تقليص اعتمادها على واردات الأمونيا التقليدية.
ولتمويل هذه الاستثمارات، لجأت المجموعة إلى أسواق الدين، حيث تمكنت خلال النصف الأول من السنة من جمع حوالي 20 مليار درهم عبر إصدارات في الأسواق المحلية والدولية.
ولا تقتصر رهانات المجموعة على قطاع الفوسفاط والأسمدة، إذ تمتد استثماراتها إلى مجالات أخرى تشمل الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة والتعليم والصحة، إلى جانب مواكبة وتمويل الشركات الناشئة.
وتعكس النتائج المسجلة خلال النصف الأول حجم التحديات التي تواجه المجموعة في ظرف دولي يتسم بتقلب أسعار المواد الأولية واضطراب سلاسل الإمداد وتغير مستويات الطلب، في وقت تراهن فيه على استثمارات ضخمة لتعزيز قدرتها الإنتاجية وتقليص تعرضها مستقبلا للصدمات الخارجية.
