في معيقات التنمية المحلية…

أحمد بلمختار منيرة

يتوفر المغرب منذ 2015 على ثلاثة قوانين تنظيمية للجماعات الترابية المتجلية في الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، متقدمة عما سبقها. وهي تتضمن العديد من القواعد القانونية كما تنص على اعتماد مجموعة من الآليات التدبيرية الحديثة التي كان من المفروض أن تمكن (من التمكين) بلدنا من بلوغ مرحلة متقدمة في تحقيق التنمية المحلية أي التنمية على مستوى المجالات الترابية الثلاثة المذكورة أعلاه. وذلك على الرغم مما عشناه منذ بداية جائحة “كورونا” من تداعيات اقتصادية واجتماعية لم تنته بعد. وانضافت إليها تداعيات الحرب الروسية/ الأوكرانية، في زمن عولمة الحروب التي من سماتها التأثيرات البالغة الخطورة لما هو دولي على المستويات المحلية في بلدان الجنوب ونحن منها. ولا ننسى آثار السنوات العجاف الأخيرة في بلدنا.

لكن كل هذه الوقائع لن تعفينا جميعا من طرح السؤال الجوهري: ما الذي أعاق ومازال يعيق التنمية المحلية ببلدنا؟

تكاد تتفق جل الأقلام المهتمة بشؤون التنمية المحلية على وجود مجموعة من المعيقات، منها اثنين أساسيين -في تقديرنا- تتطلبان التفكير العميق في حالة الجماعات التي نهتم بها في هذه الورقة، وهما: ما يمكن أن نسميه، التطبيق “الناقص” لمبدأ التدبير الحر، والمشاكل المتعلقة بالموارد البشرية. وسنقدم بعد ذلك، توضيحات مختصرة حول عامل آخر نعتبره معيقا للتنمية المحلية في بعض الجماعات.

ما الأدلة على أن تطبيق هذا المبدأ الدستوري “ناقص”؟

ذلك ما سنحاول ملامسته بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال تقديم نبذة عامة عن هذا المبدأ القوي بدلالاته السياسية والقانونية في ضوء القانون المنظم لشؤون الجماعات (رقم 113.14). ثم بعد ذلك، ملامسة كيف أن واقع حال العديد من الجماعات ببلدنا، خاصة في الوسط القروي وفي المناطق الجبلية والصحراوية، يؤكد “نقصان” تطبيق مبدأ التدبير الحر الذي سعى المشرع المغربي من خلال التنصيص الدستوري عليه في 2011 إلى أن يصبح أحد المبادئ الأساسية لتحقيق التنمية المحلية.

مبدأ التدبير الحر في ضوء القانون التنظيمي للجماعات:

بداية يفيد مبدأ التدبير الحر في معناه العام، شكلا من الحرية والاستقلالية في تدبير الجماعات لشؤونها المحلية. وبناء على ذلك، فإنه مبدأ يمكن من خلاله لهذه الوحدات الترابية (الجماعات) تدبير شؤونها بنفسها، وتحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها التنموية بكيفية مستقلة وديمقراطية. ولا يسمح بتدخل ممثلي السلطة المركزية في أنشطتها ومهامها إلا في الحدود التي ينص عليها القانون.

وفي حالة بلدنا، يجد مبدأ التدبير الحر في التنظيم الترابي الوطني أصوله في مستويين من المرجعيات:

في المستوى الأول: المرجعية الدستورية من خلال مقتضيات الفصل 136 من دستور 2011 الذي ينص صراحة على ما يلي: “يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن (…)”. وهو ما يعطي قيمة دستورية لهذا المبدأ ويجعل منه أحد مرتكزات التنظيم الترابي الجماعي، وأحد الآليات القوية إن تم تفعيلها بشكل كامل لتحقيق التنمية المحلية ببلدنا.

وفي المستوى الثاني: يجد هذا المبدأ الدستوري أهم مقتضياته في القانون المنظم لشؤون الجماعات (رقم 113.14). والمقصود هنا، مقتضيات المادة الثالثة من هذا القانون التنظيمي التي تنص على أن تدبير الجماعة يرتكز على مبدأ التدبير الحر الذي يخول بمقتضاه لكل جماعة، في حدود اختصاصاتها: سلطة التداول بكيفية ديمقراطية وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها، طبقا لأحكام القانون التنظيمي والنصوص التشريعية والتنظيمية المتخذة لتطبيقه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس ينفذ مقررات المجلس بعد استيفائها للشروط القانونية، وفي ذلك تنفيذ للمشاريع والبرامج والأنشطة التنموية التي يتم تدارسها وتداولها في دورات المجلس العادية والاستثنائية. وهي المؤشر الحقيقي عن مدى استجابة هذا المجلس أو ذاك لحاجيات ومطالب الساكنة.

وتترجم دسترة مبدأ التدبير الحر والتنصيص عليه في القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية إرادة المشرع المغربي جعل الجماعات الترابية ومنها الجماعات، مؤسسات حقيقية لا مركزية، حرة ومستقلة مقارنة بالمؤسسات الأخرى التابعة للدولة. ويتعلق الأمر هنا إذن بضمانة دستورية لحرية هذه الجماعات.

خلاصة القول، التدبير الحر هو حرية عامة وحق أساسي للجماعات يهدف إلى ضمان استقلالية وحرية تصرفها وتدخلها من أجل إشباع الحاجات العامة في إطار الشروط المحددة من قبل المشرع.

وقد حدد المشرع المغربي 10 قواعد للحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر، نكتفي بذكر عناوينها استنادا إلى القانون التنظيمي للجماعات وهي: المساواة بين المواطنين في الولوج إلى المرافق العمومية التابعة للجماعة؛ الاستمرارية في أداء الخدمات من قبل الجماعة وضمان جودتها؛ الديمقراطية؛ الشفافية؛ المحاسبة؛ المسؤولية؛ سيادة القانون؛ التشارك؛ الفعالية؛ النزاهة.

إن قراءة متمعنة في ما تقدم من مقتضيات قانونية تدفع إلى التساؤل: ما هي تجليات التطبيق “الناقص” لمبدأ التدبير الحر؟ ذلك ما سنستشفه من خلال واقع حال العديد من الجماعات.

واقع حال العديد من الجماعات:

برأي العديد من الباحثين والممارسين على المستوى المحلي، لا تتوفر لحد الآن الشروط اللازمة للتطبيق الذي يسمو إلى مستوى ما ينص عليه الدستور باعتباره أسمى قانون في البلاد وما ينص عليه القانون المنظم لشؤون الجماعات (رقم 113.14). ومن أهم هذه الشروط ما يلي:

– الاستقلالية المالية للجماعات التي تمكن من تحقيق أمرين: أولهما، توفر كل رئيس جماعة على سلطة القرار في ما يتعلق بتدبير مداخيل ونفقات جماعته. وثانيهما، التوفر على الموارد المالية الكافية لتفادي تبعية كل جماعة للدولة.

– تملك رؤساء الجماعات والمنتخبين لطرق التدبير الجديدة المنصوص عليها في القانون التنظيمي للجماعات. وهي طرق تتطلب كما جاء في “رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” فهما حقيقيا لأدوار ومسؤوليات كل فاعل متدخل بالجماعات.

إذا كانت بعض الجماعات بتراب المملكة تعاني من النقص الملحوظ في عدد الموظفين (من الجنسين) وبصفة خاصة في المجالات القروية والجبلية والصحراوية، كلما ابتعدنا عن المدن الكبرى، حيث لا يتعدى عددهم في بعض الجماعات النائية عدد أصابع اليد الواحدة مما يحول دون الاستجابة الفورية للطلبات المتزايدة للمواطنين.

إذا كان الأمر كذلك، فإن جماعات أخرى أصبحت تعاني اليوم من تبعات كثرة الموظفين الذين تم توظيفهم خاصة في بداية التسعينيات من القرن الماضي (1991/1992/1993…) من دون توفر أدنى شروط الأهلية العلمية حيث إن جلهم لم يلج الجامعة ولا يتوفر على دبلوم تقني ولا في المحاسبة أو في المالية. ولجت هذه الفئة الجماعات عن طريق المحسوبية والزبونية الانتخابية والقرابة العائلية.

والذي حصل، تضخم في أعداد الموظفين “اللامكونين” في مقابل قلة أعداد الأطر والكفاءات المتخرجة من الجامعات. وقد طال بعض الكفاءات الجامعية التهميش، وأحيانا الظلم من خلال تأخير الترقيات أو إيقاف الأجرة أو العمل على إبعادها من إدارتها الأصلية من خلال إلحاقها بإحدى الإدارات التي يسمح القانون بها.

كما سجلت الهيئات الرسمية المكلفة بالمراقبة الإدارية والمالية في تقاريرها الخاصة بالعديد من الجماعات: عدم توفر العدد الكافي من الأطر والكفاءات القادرة على تطبيق المقتضيات القانونية، وإنجاز الدراسات التقنية والمالية والاقتصادية والمحاسباتية، والتمكن من رفع “نسبة التأطير” في كل جماعة.

وماذا عن واقع حال اليوم في ما يتعلق بالموارد البشرية؟

إن قراءة متمعنة في ما نتوفر عليه من معطيات آنية، مازالت تتضمنها مجموعة من المواقع الإلكترونية والصحف المتميزة بمهنيتها مع احترامنا لكل خط تحريري، تجعلنا نسجل ما يلي:

– العديد ممن شملتهم عملية التوظيف الكبرى التي عرفتها الجماعات خلال السنوات التي أشرنا إليها سابقا انطلاقا من المعاينة الميدانية، سيحالون على التقاعد. وقد كانت هذه التوظيفات بمثابة خطأ تاريخي -في تقديرنا- من نتائجه، تعثر تنمية الإدارة في العديد من الجماعات. وهو أحد الأسباب الأساسية لإعاقة التنمية المحلية ببلدنا.

– مازالت بعض الجماعات وخاصة في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى، لا تتوفر على مهندسين معماريين ومهندسين في الهندسة المدنية وأطباء، وأطر قانونية لتدبير الشؤون القانونية ومنها خاصة الأملاك الجماعية، وأطر اقتصادية ومالية لتدبير الشؤون المالية (…) وهم كلهم موارد بشرية ضرورية لتقديم خدمات القرب التي هي اختصاص حصري موكول قانونيا للجماعات.

– ضرورة اعتماد الرقمنة في دراسة ملفات المترشحين لمباريات التوظيف بالجماعات، للحد من المحسوبية والزبونية والتحايل على القانون.

وفي هذا الصدد، مازلنا نرى أن إحداث مديريات جهوية لتكوين الأطر الإدارية والتقنية على غرار تلك الموجودة بالرباط، تسهر على تسييرها وتدبير شؤونها كفاءات مشهود لها بالجدية، ضرورة مجتمعية للرفع من مستوى أداء الجماعات. وبالنتيجة الإسهام في التنمية المحلية.

ونراهن على أن العديد من خريجي الجامعات والمدارس العليا ومعاهد التكوين المهني، يحتاجون فقط، إلى تكوين ميداني تحت إشراف أطر وكفاءات نزيهة، في زمن لا يتعدى ستة أشهر بالنسبة لبعض التخصصات وقد يصل إلى السنة بالنسبة لمجالات المالية المحلية والشؤون القانونية والتعمير لأن المسؤوليات جسيمة في هذه الميادين.

وهناك عامل آخر نعتبره كما سبق الذكر أحد معيقات التنمية المحلية في بعض الجماعات وهو: ضعف التوصل الداخلي.

مازالت مظاهر البيروقراطية وديكتاتورية بعض الأفراد تسود في بعض الجماعات. مما يترتب عنه ضعف وفي بعض الأحيان انعدام الثقة بين الرئيس والمرؤوسين، وضعف المردودية، ونفور المستثمرين. فـ “التواصل هو دم الحياة في المؤسسة” كما يقول “روجي إيفرت” (Roger Evert). والمقصود التواصل الناجح بين قيادات المؤسسة وأطرها وأتباعهم.

إن نجاح عملية التواصل داخل الجماعة مثل باقي المنظمات، يقوي روح الانتماء إليها. والقيادة المشبعة بروح التواصل، تبعث الاطمئنان في نفوس الموظفين والأطر والكفاءات المساعدة للرئيس/ للقائد/ في تسيير وتدبير شؤون الجماعة. وتكون النتيجة حتما، ترشيد وعقلنة استخدام الموارد البشرية والمادية والتجسيد الفعلي لمفهوم التدبير. وتتمكن الجماعة من جلب الاستثمار المنتج الذي من دونه لا يمكن الحديث عن نمو الاقتصاد المحلي الذي يشكل الجانب المادي للتنمية المحلية.

فما الذي نستنتجه من خلال ما تقدم؟

نعتقد أن أهم استنتاج هو أن التنمية المحلية قضية مجتمعية معقدة، لكن من أهم السبل العملية لتجاوز معيقاتها ببلدنا:

أولا: ما جاء في الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش، وهو: الجدية. وتعني الجدية في الثقافة المغربية الأصيلة: الاستقامة والوضوح والعقلانية وحسن الخلق (…).

وثانيا: يفرض تجسيد معنى الجدية باعتبارها منهجا وقيمة مجتمعية مغربية كبرى على مستوى المؤسسات العامة ومنها الجماعات والخاصة اعتماد عناصر الحكامة الجيدة وخاصة منها: سلطة القانون؛ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ الشفافية؛ العدالة.

عن هسبريس

نيشان الآن

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد