نيشان الآن – مراد العطشان
في مراكش كأن غابة الشباب كانت تلفظ الدنس، تئن تحت وطأة ما ألقي فيها من رجس، حتى جاءت الأيادي الطاهرة تمسح العار، وتعيد إليها شيئا من نظارتها.
عمال النظافة انحنوا، لم يشتكوا، جالوا في أرجائها، يرفعون عنها رجسًا لم تقترفه، ويطهرونها من آثار سُكْر العابثين، وكأنهم يعيدون إليها ماء وجهها الذي أهدره المستهترون.
هذه الأيدي تستحق الثناء، لكن، إلى متى يبقى الإصلاح رقعة تُوضع فوق جرح ينزف، دون أن تستأصل العلة؟
>ولإعطاء كل ذي حق حقه، فاليد التي تنظف، وتُصلح، وترمم، هي يد تستحق الاحترام، لكنها تبقى وحدها عاجزة إذا كانت هناك يد أخرى، وقحة، لا تبالي، تُفسد، وتعبث، وتُلقي خلفها القاذورات وكأنها لا ترى، أو ترى ولا تبالي.
كيف لغابة، كانت يوما عروسًا خضراء، أن تتحول إلى مستنقع لأدران القوم؟ كيف لأرض كانت تنبض بالحياة أن ترغم على ابتلاع الزجاجات الفارغة وبقايا الفوضى كأنها مزبلة لا قيمة لها؟
لا عذر لمن يفعل هذا، ولا حجة لمن يتركه دون ردع، فمن يُلقي النفايات في غير موضعها، لا يرتكب مجرد خطأ عابر، بل يخون الأمانة، ويطمس معالم الجمال، ويجعل مما هو عام مُلكًا مهدورًا لا صاحب له، فأي روح هذه التي تُفسد ولا تخجل؟ وأي ضمير هذا الذي يرى الخراب فلا تهتز فيه نخوة؟
لكن المسؤولية لا تلقى كلها على الأفراد، فالسلطات التي تكتفي بالتنظيف دون أن تمنع التخريب، تظل مقصّرة، ولو اجتهدت، فلا بد من قبضة حازمة، ورقابة لا تكلّ، وعقوبات تُشعر العابثين بأن البيئة ليست مستباحة، بل لها من يحميها ويذود عنها.
إن كانت الأيدي الطاهرة قد أزالت العار اليوم، فهل من ضمان ألا يعود غدًا؟ هل سنظل في دوامة الفعل والهدم، البناء والتخريب، الإصلاح والإفساد؟ أم أن الوقت قد حان لصحوة تجعل كل من يعبث يدرك أن الأرض التي تكرمنا، لا تستحق منا إلا الإكرام؟
غابة الشباب ليست مطرحا للنفايات، وليست ملهى للعابثين، فإما أن تُحمى، أو ستشهد مراكش على جريمة جديدة تُرتكب بحقها، ولن يغفر التاريخ لمن تركها تنهار.

نيشان الآن
