موسم “الانسلاخ الجمعوي”.. من العمل التطوعي إلى “الارتزاق السياسي”

نيشان الآن 

بقلم: ذ. الحسين العطشان

ليس الهدف من هذا المقال الطعن في جوهر العمل الجمعوي النبيل، ولا في الفعل التطوعي الصادق الذي كان، ولا يزال، رهاناً مشرفاً في العديد من المحطات النضالية. بل هي محاولة لفضح ظاهرة تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، حيث يتحول البعض من نشطاء المجتمع المدني إلى أدوات في لعبة سياسية لا هدف لها سوى تحقيق المصالح الضيقة.

مع اقتراب نهاية كل ولاية انتخابية، تبدأ الاستعدادات على قدم وساق، وتُشن معارك شرسة بين أصحاب النفوذ المالي وأرباب المشاريع السياسية الموسمية. تنطلق حملات الاستقطاب، وتُفتح مزادات الولاءات، ويُستدرج كل من له تأثير في المجتمع المحلي، سواء بحوافز مالية أو بوعود كاذبة، في مشهد يشبه أسواق النخاسة السياسية، حيث يصبح كل شيء معروضاً للبيع.

في هذه السوق الرديئة، تكثر الحاجة إلى “أصحاب اللسان الطويل”، الذين يُتقنون فن الخطابة والتهجم، وإلى “ذوي الوقاحة” الذين لا يخجلون من تبرير الباطل، ويتحول أصحاب السمعة الطيبة إلى سلعة نادرة يتم استقطابهم للتزيين والتلميع. ويُصدق عليهم المثل المغربي: “الله يجيب شي ذهب يغطي نحاسنا”.

وسط هذه التجاذبات، تطفو على السطح وجوه كانت بالأمس القريب تتدثر برداء التطوع وخدمة قضايا المجتمع، تجوب القرى والمدن بدعوى العمل الإنساني. لكنها تنزع عنها هذا الرداء سريعاً عند اقتراب الانتخابات، وترتدي عباءة السياسوية الرخيصة، مُعلنة ولاءها لحزب هنا أو هناك، دون قناعة أو مشروع، سوى البحث عن نصيبها في غنائم الموسم.

يصبح هؤلاء بيادق في أيدي تجار الانتخابات، يرقصون على كل الحبال، يتقنون فنون التملق والنفاق، يجيدون تحريك الألسن والخواصر في آن واحد، ويتصدرون الصفوف الأمامية في معارك انتخابية يعلم الجميع أنهم أول من يُرمى به بعد انقضاء الحاجة.

يشبه هذا “الانسلاخ” ما يحدث في عالم الحيوان، حيث تتخلص بعض الكائنات من جلدها لتواصل دورة حياتها. لكن الفرق هنا أن “انسلاخ” هؤلاء ليس تطوراً ولا نمواً، بل انحداراً إلى مستنقع الارتزاق السياسي، حيث تُباع المبادئ بثمن بخس، وتُشترى الأصوات بالكذب والشعارات الفارغة.

إن الثقة التي يوليها تجار الانتخابات لهؤلاء تنبع من قربهم الظاهري من الناس، فهم حاضرين في الأفراح والأتراح، في البناء والهدم، لكن حقيقتهم ليست سوى مرآة لعقلية موسمية لا ترى في الانتخابات إلا فرصة لجني الأرباح.

وهكذا يستمر موسم الانسلاخ، حيث يُلبس الزيف ثوب النضال، ويُختزل العمل الجمعوي في لعبة انتخابية لا تخدم إلا مصالح الأقلية الباحثة عن الكراسي والغنائم.

نيشان الآن 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد