نيشان الآن
عصام سبادي
ليست رواية خيالية، ولا مشهداً من مسلسل درامي ثقيل.. إنها الحقيقة الصادمة التي تعيشها مدينة مراكش يومياً في صمت مريب. جثامين تنتظر الإفراج، وثلاثة أطباء فقط يحملون عبء المدينة بكاملها، وسط فوضى إدارية وعوائق بيروقراطية، تضع عائلات الموتى بين مطرقة الحزن وسندان الانتظار. في مدينة يفترض أنها من بين الأهم سياحيًا وطبياً في المملكة، لا تزال عملية تشريح جثة أو تحرير شهادة وفاة تتطلب ساعات وأحياناً أياماً، في انتظار دور الطبيب الشرعي. والمأساة لا تقف هنا.
الموت في مراكش لم يعد نهاية المعاناة، بل بدايتها. عائلات تفقد أحبابها ثم تجد نفسها في مواجهة مسطرة معقدة تبدأ من استخراج شهادة الوفاة ولا تنتهي عند أبواب مستودع الأموات. الجثة تبقى معلقة في انتظار من يوقع، وفي كثير من الحالات، الطبيب الشرعي يكون واحداً من ثلاثة فقط، قد يكون في مهمة خارجية، أو في عطلة، أو ببساطة، غارق في ملفات كثيرة بلا طاقة ولا دعم.
وهنا تبرز معاناة أخرى، أشد مرارة: سمسرةٌ مقنّعة يمارسها بعضُ أصحاب سيارات نقل الأموات، ممن يحومون حول عائلات الضحايا كطيور جارحة. يُقنعونهم بـ”تسريع الإجراءات” أو “تسهيل الأمور”، مقابل مبالغ مالية تتزايد حسب درجة الاستعجال وحالة اليأس. البعض لا يملك خيارًا، فيدفع تحت الضغط، في غياب أي مراقبة فعلية أو تدخل من الجهات المعنية. المعاناة هنا مزدوجة: حزن على الفقد، وذل في الإجراءات، وسوق سوداء في أبشع صورها.
وإذا كانت مراكش، المدينة الكبرى، لا تضم سوى ثلاثة أطباء شرعيين، فماذا عن باقي المدن والقرى؟ الأرقام الوطنية أكثر فزعاً. على مستوى المملكة كاملة، لا يتعدى عدد أطباء الطب الشرعي 25 طبيباً، مقابل 37 مليون مواطن. هذا الرقم الصادم يعكس هشاشة البنية الصحية في هذا التخصص الحساس، الذي لا يقل أهمية عن باقي التخصصات الحيوية. في بلد يشهد حوادث سير يومية وجرائم وعنف منزلي، يبقى الطب الشرعي عصباً للعدالة وركيزة أساسية لتحديد أسباب الوفاة بدقة.
الوزارة الوصية تظل تتحدث عن “برامج تكوين” وعن “تحفيزات مستقبلية”، لكن الواقع لا ينتظر. العائلات تتألم، والمرضى يموتون، والجثامين تبرد في غرف الانتظار. المسؤولية باتت ثقيلة، ولم يعد هناك متسع لمزيد من الصمت.
نيشان الآن
