عصام سبادي
الداوديات، لا يتنفس الفضاء العام هواءه الحر، بل يختنق تحت ثقل الكراسي والطاولات والحواجز المعدنية وكأن الأرصفة وُجدت لتُباع وتُشترى في سوق النفوذ والمحسوبية. هنا، القانون يكتب بمداد “هذا صاحبي”، ويُفسَّر على مقاس “هذا من جيهة فلان”، ويتلاشى بمجرد أن يُذكر اسم “نسيب فلان”. هكذا تتحول القوانين إلى شعارات خاوية، والإجراءات الإدارية إلى صفقات صامتة، تمنح الامتياز لمن يملك مفاتيح العلاقات بدل احترام مساطر واضحة للجميع.
ظاهرة احتلال الملك العمومي في هذا الحي لم تعد مجرد حالات فردية أو استغلال مؤقت للأرصفة، بل صارت مشهدًا يوميًا يفرض نفسه على المارة ويشوّه صورة المدينة. ورغم الحملات التي شنتها السلطات بين الفينة والأخرى لتحرير الفضاء العام، فإنها سرعان ما تتبخر نتائجها، وكأن الهدف هو التصوير أمام الكاميرات لا معالجة الجذور. كثير من السكان يؤكدون أن الفوضى باقية ما بقيت “الوجوه المحمية” التي تُفلت من أي إجراء رادع، وأن السلطة التي تغض الطرف اليوم، هي ذاتها التي تطلق الشعارات عن محاربة العشوائية غدًا.
القوانين المغربية واضحة في منع إقامة أي احتلال دائم أو تشييد منشآت على الملك العمومي دون ترخيص مؤقت يخضع لشروط دقيقة، لكنها في الداوديات تُفرغ من مضمونها تحت تأثير التواطؤ أو الإهمال. النتيجة: فوارق اجتماعية صارخة، حيث يُطارد البائع البسيط ويُحجز متاعه في حين تُمنح الأرصفة ومساحات المشاة على طبق من فضة لأصحاب النفوذ.
استمرار هذا الوضع يخلق إحباطًا عامًا ويكرّس ثقافة “من يملك المعارف يملك الحق”، بينما الحل الحقيقي يكمن في إجراءات مستدامة، ومراقبة صارمة، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. فالقضية ليست فقط في تحرير الأرصفة، بل في تحرير الإدارة نفسها من سطوة العلاقات الخاصة التي جعلت من الداوديات عنوانًا للفوضى المقننة.

