عصام سبادي
منذ بروزها في السوق المغربية، نجحت شركات التوصيل في أن تجعل صناديقها الملونة جزءًا من تفاصيل الشارع اليومي. لكن هذا النجاح الظاهر يخفي وجهًا آخر: دراجات تجوب الطرقات بلا هوادة، تتسلل بين العربات بسرعة جنونية، وتجعل من الشارع فضاءً مهددًا للحوادث أكثر مما هو ممر آمن للجميع.
المشهد لم يعد خافيًا على أحد: سائقو دراجات نارية يقطعون الأزقة والشوارع بسرعة مفرطة، يتجاوزون السيارات من اليمين واليسار، لا يترددون في التوقف المفاجئ أو الانعطاف غير المحسوب، وكل ذلك بدعوى إيصال الطلبات في أسرع وقت. هذه الممارسات المتهورة باتت تُخلّف حوادث سير يومية، بعضها بسيط وبعضها يترك أضرارا جسدية ومادية خطيرة.
الأخطر من ذلك أن الكثير من سائقي هذه الدراجات، حين يتسببون في خسائر لمستعملي الطريق، يفرون بسرعة تاركين وراءهم ضحية وحيدة لا تملك وسيلة للتعرف على الفاعل. فشبه التطابق بين سائقي التوصيل – من حيث الزي الموحد أو الدراجات المتشابهة – يجعل من المستحيل على الضحية تتبع هوية المسؤول، مما يعمّق الإحساس بالظلم ويُضعف الثقة في هذه الخدمات.
القانون المغربي، رغم صرامته في ما يخص السير والجولان، ما يزال عاجزًا عن مواكبة هذه الظاهرة الجديدة التي تضخمت مع انتشار ثقافة الاستهلاك السريع. هنا يطرح السؤال الجوهري: لماذا لا تُفرض على هذه الشركات التزامات واضحة تضمن سلامة الزبائن ومستعملي الطريق على حد سواء؟ أليس من الضروري أن تُلزم هذه الشركات مستخدميها بوضع إشارات مميزة على صناديق التوصيل أو أرقام واضحة على الخوذات، حتى يسهل التعرف عليهم في حالة ارتكاب حادث أو مخالفة؟
إن الحياد يقتضي القول إن هذه الشركات أسهمت بالفعل في خلق فرص عمل لشباب كُثر، ولبّت حاجة السوق المتزايدة للخدمات السريعة. لكن في المقابل، لا يمكن القبول باستمرار هذا الفلتان الذي يجعل من الأرصفة والشوارع حلبة سباق مفتوحة. حماية الأرواح والممتلكات تظل أولوية قصوى، وهو ما يستدعي تدخلًا حازمًا من الدولة لسن قوانين صارمة، ومراقبة فعلية لهذه الشركات، حتى لا تتحول دراجات التوصيل من وسيلة خدمة إلى قنابل متحركة تهدد سلامة الجميع.
