“الشيشة” بين المداهمات الأمنية وتملص المشرّع

لا يختلف اثنان على أن الشيشة أضحت واقعاً اجتماعياً راسخاً في المغرب، خصوصاً في المدن السياحية مثل مراكش، حيث انتشرت المقاهي المخصصة لها بشكل لافت منذ سنوات. غير أن تعامل الدولة مع هذا الملف يثير الكثير من علامات الاستفهام، بل ويعكس تناقضاً صارخاً بين القانون والممارسة.

فمن جهة، تشن السلطات الأمنية حملات متكررة على مقاهي الشيشة، تنتهي في كثير من الأحيان بجرّ أصحابها إلى ردهات المحاكم بتهم “ترويج المعسل المهرّب”.

أحكام قضائية صدرت في حقهم أثقلت كاهلهم بغرامات مالية خيالية ناهزت الملايين من الدراهم، ليتحول عدد منهم من مستثمرين إلى سجناء، فقط لأنهم عجزوا عن أداء المبالغ المفروضة.

ومن جهة أخرى، تُباع مستلزمات الشيشة بشكل قانوني في محلات التبغ، خاضعة للتنبر الجمركي، ما يفضح التناقض العجيب في مقاربة الدولة. فكيف يُعقل أن تُشرع عملية البيع وتُجرّم الاستهلاك في الفضاءات العمومية؟ وكيف يُسمح بالتجارة ويُعاقب الاستثمار؟ أليس هذا تطبيقاً حرفياً للمثل الشعبي المغربي: “طلع الكرمة تاكل الكرموس، نزل شكون لي قالها لك”؟

الأدهى من ذلك أن هذه الحملات الأمنية لم تقتصر آثارها على أرباب المقاهي، بل أفقرت المئات من العمال الذين وجدوا أنفسهم في الشارع بعدما فقدوا مصدر رزقهم، في وقت تعجز فيه الحكومة عن توفير بدائل تشغيلية أو صيغة قانونية واضحة تضع حداً لهذا العبث.

الواقع أن المسؤولية لا تقع فقط على الأجهزة الأمنية التي تُنفذ التعليمات، بل على المشرّع الذي يكتفي بموقف المتفرج، متملصاً من واجبه في صياغة قانون واضح أو دفتر تحملات يمنح رخصاً خاصة لمقاهي الشيشة ويحدد شروط عملها. هذا الغياب للتشريع لا يسيء فقط لسمعة الدولة أمام مواطنيها، بل قد يطرح إشكالات أكبر في المستقبل القريب، خصوصاً مع استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى. فهل يُعقل أن يستقبل بلد يتطلع للريادة السياحية ضيوفه بمداهمات أمنية في أحياءه السياحية، بينما النرجيلة تُقدَّم بشكل عادي ومقنن في معظم دول العالم؟

إنه سؤال حارق يفرض نفسه: هل عجز “أهل الحل والعقد” فعلاً عن إيجاد حل جذري، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون “الله يجعل الغفلة بين البائع والمشتري”؟

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد