مصحات خاصّة تسرق حق الأمهات في الولادة الطبيعية…. حين يُختطف قرار الولادة من رحم الأم إلى جيب المصحة
عصام سبادي
لا شيء أشد مرارة من أن تتحول لحظة ينتظرها الزوجان بفرح إلى صفقة طبية باردة، حيث يجدان نفسيهما أمام سيناريو محفوظ سلفاً: وعود بولادة طبيعية في الشهور الأولى، ثم انقلاب مفاجئ في الشهر التاسع بقرار لا يقبل النقاش—الولادة القيصرية. التبريرات جاهزة: “الوضعية معقدة”، “الخطر على الجنين”، “صحة الأم في المحك”. لكن خلف هذه الكلمات الطبية المطمئنة يختبئ سؤال أخلاقي حارق: هل فعلاً الأمر مسألة طبية محضة أم لعبة مالية تتقنها بعض المصحات الخاصة بتواطؤ مع بعض الأطباء؟
الفارق في الأثمنة يكفي لفضح جشع هذا المخطط؛ فالولادة الطبيعية تتراوح كلفتها في أغلب المصحات بين 4000 و6000 درهم، بينما تقفز الفاتورة في الولادة القيصرية لتصل إلى ما بين 10 آلاف و15 ألف درهم، وقد تتجاوز ذلك بكثير إذا أضيفت خدمات “الراحة الفاخرة” وغرفة “VIP”. أرقام تجعل من العملية الجراحية، التي يُفترض أن تُجرى في الحالات المستعصية فقط، فرصة ذهبية لانتفاخ الحسابات البنكية على حساب ثقة النساء وآلامهن.
المثير أن نساء عديدات يحكين نفس القصة بحذافيرها: طبيب يتابع الحمل في هدوء ويؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام، ثم قبيل الموعد بأسابيع قليلة، يتحول الكلام إلى نبرة تحذير: “المخاض قد يشكل خطراً، الأفضل أن تكون الولادة قيصرية”. أمهات كثيرات صرن يرددن أن الأمر لم يعد صدفة، بل أصبح نمطاً ممنهجاً يُستعمل فيه الخوف كسلاح نفسي لدفع الحامل إلى الرضوخ.
الطب الحديث يؤكد أن الولادة الطبيعية، في أغلب الحالات، أكثر أماناً للأم والرضيع، وأسرع تعافياً وأقل مضاعفات. لكن في سوق المصحات الخاصة، يتحول المنطق الطبي إلى منطق ربحي: كل عملية قيصرية تساوي عمليتين أو ثلاث ولادات طبيعية في ميزان المال. وهنا يصبح “المشرط” أداة استثمار، لا أداة علاج.
لا أحد ينكر أن هناك حالات تستوجب فعلاً اللجوء إلى الجراحة، وهذا ما يجعل من التعميم ظلماً. لكن الصمت عن الغالبية الساحقة من الحالات التي تُدفع قسراً نحو العملية القيصرية هو تواطؤ جماعي. تواطؤ يفتح الباب أمام سؤال أكبر: أين هي رقابة الوزارة الوصية؟ وكيف تُترك صحة الأمهات رهينة لمعادلة مالية باردة، عنوانها: “ادفع أكثر، نقرر عنك أكثر”؟
