في كل شارع، عند إشارات المرور، بجوار الأسواق، نلتقي بهم… أطفال بملامح مغبرة وعيون متعبة، يمدّون أياديهم الصغيرة طلباً لدرهم، لنظرة، لرحمة. لكن خلف تلك الأيادي الممدودة، هناك ما هو أعمق من الحاجة: هناك طفولة مكسورة، أحلام منسية، وصرخات خافتة لا يسمعها أحد.
كم من طفل نام في حضن الإسفلت بدل أن ينام في سريره؟ كم من طفلة احترق حلمها تحت جحيم الاستغلال والتشرد؟ من المسؤول؟ الأسرة؟ الشارع؟ الدولة؟ أم نحن… نحن الذين نراهم ونكمل طريقنا بصمت يشبه الجريمة؟
لا يمكن لأي مجتمع أن يزعم التقدم، وفلذات كبده تتيه في الشوارع، تتربى على القسوة بدل الحنان، وعلى الخوف بدل الأمان. وهنا، يُطرح السؤال الصعب: أين هو دور المجتمع المدني؟
إن المجتمع المدني ليس ديكوراً ولا يقتصر على المبادرات الموسمية. بل هو ضمير حي، يجب أن يتحرك، لا من باب الشفقة، بل من منطلق المسؤولية التاريخية:
إحداث وحدات ميدانية دائمة تجوب الشوارع لرصد الأطفال المتشردين ومرافقتهم.
إنشاء مراكز استقبال مؤهلة تقدم الإيواء والرعاية النفسية والاجتماعية.
التنسيق مع المدارس ومراكز التكوين المهني لإعادة إدماج الأطفال في مسارات تعليمية ملائمة.
الضغط على الجماعات المحلية والمؤسسات الحكومية من أجل تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية.
إطلاق حملات توعوية قوية تُذكر بخطورة استغلال الأطفال في التسول، وتحث على ثقافة التبليغ بدل التطبيع.
نحن أمام تحدٍّ لا يُحلّ بالعاطفة فقط، بل يحتاج رؤية، شجاعة، واستمرارية. فهؤلاء الأطفال ليسوا عبئاً على الدولة، بل فرصة ضائعة إن تُركوا، وثروة إن احتضنّاها.
نعم، من حقهم علينا أن نحميهم من الجوع، من الشارع، من الضياع… لكن الأهم، من حقهم أن نحمي إنسانيتهم. أن نمنحهم فرصة ثانية ليكونوا أطفالاً كما ينبغي… لا مجرد ظلال تمشي بجانبنا.
من هنا نناشد السلطات المحلية، وزارة التضامن، وزارة التربية الوطنية، والهيئات المنتخبة،بضرورة التحرك الفوري من أجل:
وضع خطة استعجالية لإيواء الأطفال المشردين.
تخصيص موارد بشرية ومالية لفرق تدخل ميداني.
تفعيل قوانين حماية الطفولة وتعزيز آليات التبليغ عن الاستغلال.
دعم الجمعيات الجادة العاملة في الميدان، وضمان استمرارية تمويلها.
كما ندعو المجتمع المدني، الإعلام، وكل ضمير حي إلى رفع الصوت من أجل هؤلاء الصغار، الذين لا يملكون سوى صمتهم ووجعهم، وهم في الأصل صوت المستقبل إن وجدوا من يحتضنهم.
فلنُحرّك الضمائر قبل أن نرفع الشعارات.
