المغرب… حيث يُديرون الصحة بالحساب البنكي، والتعليم بالمسطرة، والرياضة بالتصفيق

في المغرب، لم نعد بحاجة إلى الخبراء ولا المتخصصين. بالعكس، يبدو أن وصفة النجاح هي أن تأتي من مجال بعيد كل البعد عن القطاع، ثم تُعيَّن مسؤولًا عنه. هكذا أصبحنا نعيش مسرحية كبرى: وزير مالٍ فوق رأس قطاع الصحة، وهاوٍ فوق الرياضة، وتجارب مدرسية على التلاميذ… والباقي عند الله.

في وزارة الصحة، الوزير القادم من عالم المال قرر أن يعالج المرضى بالمنطق التجاري:

الطبيب موظف “غير منتج بما فيه الكفاية”.

المريض “زبون متأخر عن الأداء”.

المستشفى “فرع محلي لشركة قابضة”.

لكن المفاجأة أن الناس لا يُعالجون بجداول الإكسيل. وحين اكتشف معاناة المستشفيات من الداخل، سافر إلى أكادير والناظور ليتأكد بنفسه أن المرضى ليسوا مجرد أرقام، بل بشر يئنّون تحت رحمة اكتظاظ لا ينفع معه لا “قانون العرض والطلب” ولا “توازن الميزانية”.

أما الرياضة، فقد تحولت من ساحة إنجاز إلى كرسِي مريح يُوزَّع على أصدقاء بعيدين عن الميدان. النتيجة؟ المغرب يُشارك في الألعاب الأولمبية وكأنه ذاهب لرحلة مدرسية: صورة جماعية هنا، تبادل الأقمصة هناك، ثم العودة بخفي حنين. أيام زمان كنا نصنع الأبطال، واليوم بالكاد نصنع “الابتسامة الدبلوماسية” أمام الكاميرات.

وبالنسبة إلى التعليم، الحكومة قررت أن تختبر برنامج “مدارس الريادة”، والضحايا كالعادة: أبناء الشعب. تلاميذ يتحولون إلى فئران تجارب لمقررات مرتجلة، وأولياء أمور يكتشفون أن أطفالهم يسيرون إلى الوراء باسم الإصلاح. يريدون تعليمًا حديثًا، فحصلوا على تعليم مرتبك: لا جودة، لا إنصاف، فقط ارتجال بالطباشير.

الطريف – أو بالأحرى المأساوي – أن المغرب صار يُسجَّل في التصنيفات العالمية في خانة:

صحة ضعيفة.

تعليم متعثر.

رياضة غائبة.

وكأننا نتنافس فقط في سباق التراجع. المواطن اليوم لا يواجه أزمة واحدة، بل ثلاثيًا مرعبًا: مستشفى يعجز عن علاجه، مدرسة تعجز عن تعليمه، ورياضة تعجز عن إلهامه.

لكن… لا داعي للقلق! فالمسؤولون مطمئنون: “كلشي تحت السيطرة”. نعم، تحت السيطرة… لكن ليس على الأوضاع، بل على الكراسي التي يجلسون عليها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد