بين وعود الحكومة وصرخات الشارع: أي دولة اجتماعية نريد؟

لا شيء يكشف عورة السياسات العمومية مثل مستشفى مكتظ ومرضى ينتظرون موعدا طبيا كما لو كانوا ينتظرون معجزة. قد يطلّ رئيس الحكومة عبر الشاشات ليبشرنا بثورة صحية قادمة، لكن الحقيقة تفضحها جموع المحتجين أمام أبواب المستشفيات الجهوية، من أكادير إلى مراكش، ومن الناظور إلى طاطا.

لقد أصبح المواطن المغربي شاهدا على التناقض الصارخ بين خطاب رسمي يَعِدُ بـ”الدولة الاجتماعية” وبين واقع صحي يزداد قتامة يوما بعد يوم: نقص الأطر الطبية، أجهزة معطلة، سوء تدبير، ولامبالاة قاتلة. فهل يحتاج المريض إلى تقرير حكومي ليُدرك أن حياته مهددة داخل مؤسسة يُفترض أن تحميه؟

الاحتجاجات الأخيرة ليست مجرد غضب عابر؛ إنها صرخة مجتمع ملّ من الوعود الانتخابية الفارغة. هي جرس إنذار لحكومة تبدو منشغلة أكثر بتلميع صورتها من مواجهة الأزمة في عمقها. الوزير المسؤول، القادم من عالم المال والأعمال، وجد نفسه مضطرا للنزول إلى الميدان، لا لإصلاح جذري، بل لمحاولة إطفاء نيران الغضب. لكن الواقع لا يرحم: إصلاح المنظومة الصحية يحتاج أكثر من جولات تفقدية وبلاغات صحفية.

إن ما يعيشه المغاربة اليوم يُعيدنا إلى السؤال الجوهري: ماذا تعني الدولة الاجتماعية؟ هل هي شعارات في حملات انتخابية وبرامج حكومية، أم هي مستشفى نظيف، طبيب حاضر في موعده، جهاز يشتغل بلا أعطاب، ومريض يُعامل بكرامة؟

المغاربة لا يطلبون المستحيل، بل فقط الحد الأدنى من الحق في العلاج. هذا الحق الذي يكفله الدستور، ويؤكد عليه الملك محمد السادس في خطبه، لكن الحكومات المتعاقبة عجزت عن ترجمته على أرض الواقع.

لقد حان الوقت للانتقال من سياسة “الترقيع” إلى إصلاح شامل يربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمستشفيات ليست مقرات حزبية، والمرضى ليسوا أرقاما في تقارير الإنجاز. إنهم مواطنون لهم الحق في الحياة، والحق في العلاج الكريم.

فإما أن تعترف الحكومة أن مشروع “الدولة الاجتماعية” مجرد واجهة سياسية لتسويق الوهم، أو أن تملك الشجاعة لتجعل من الصحة والتعليم أولوية حقيقية، لا مادة للتصريحات التلفزيونية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد