مواقع التواصل الاجتماعي المغربي.. سكيزوفرينيا الانفعالات والازدواجية النفسية

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب أكثر من مجرد منصة للتواصل؛ إنها مرآة صافية لاضطراب نفسي جماعي، يعكس ازدواجية المواقف وانفلات الانفعالات. هنا، يتحول البطل إلى خصم في ثانية، والضحية إلى جلاد، وفقًا لموجة غضب لحظية أو إشاعة جديدة. ما نراه ليس مجرد تغير في الرأي، بل سكيزوفرينيا رقمية تفضح هشاشة الفكر الجمعي وغياب وعي النقد الذاتي.

يكشف التحليل النفسي لهذا السلوك جانبًا مهمًا: كثير من المستخدمين يعيشون صراعًا داخليًا بين الرغبة في العدالة والتعاطف الشخصي المحدد، فتتحول القضايا الكبرى إلى اختبار عاطفي أكثر من كونها نقاشًا موضوعيًا. كل موقف يُقاس اليوم وفقًا للانتماءات والمصالح الشخصية، وليس وفق المبادئ أو القيم. لذلك، يصفق الجمهور للبطل حين يُظلم، ويقلب الطاولة عليه بمجرد ظهور أي شبهة أو ارتباط بأجندة ما، وكأن العقل الاستنباطي يتراجع أمام الغرائز الجماعية.

حتى القوانين والمبادئ الأخلاقية تتعرض لتقلبات مفاجئة: اليوم تُرفع شعارات العدالة، وغدًا يُهمل القانون إذا تعلق الأمر بأشخاص ضمن دائرة التعاطف أو المصلحة المباشرة. هذه الازدواجية ليست مجرد سلوك اجتماعي، بل انعكاس لصراع داخلي بين الغرائز والانفعالات من جهة، والرغبة في الانتماء والموافقة الاجتماعية من جهة أخرى.

من منظور نفسي، يمكن تفسير هذه الظاهرة على أنها محاولة لتعويض شعور بالضعف أو غياب السيطرة على الواقع: حين يسيطر الغضب اللحظي أو التعاطف العابر على التفكير المنطقي، يتحول كل نقاش إلى مسرح عبثي، حيث يُحتفى بالانفعال ويُهمل التحليل. القضايا الكبرى تُصنع وتُنسى بسرعة، والمجتمع الرقمي يعيش في دورة متكررة من الإثارة ثم النسيان، دون أي محاولة لفهم جذور المشكلات أو البحث عن حلول مستدامة.

في النهاية، ما نشهده على مواقع التواصل الاجتماعي المغربي ليس مجرد خلافات سطحية، بل انعكاس لأزمة فكرية وثقافية ونفسية أعمق، تعكس هشاشة وازدواجية المجتمع. الخروج من هذا النفق يتطلب وعيًا جماعيًا، قدرة على التحليل، ومراجعة العلاقة بين الانفعال والعقل، قبل أن يتحول الانفصال بين الواقع الرقمي والواقعي إلى أزمة حقيقية تتجاوز حدود الشاشات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد