مراد العطشان
في مجتمعٍ يُقدّس الروابط العائلية إلى حدّ التناقض، جاء أب من ضواحي مراكش ليكسر الصمت ويسلّم ابنه للدرك الملكي بعد مشاركته في أعمال شغب.
تصرفٌ نادر أعاد طرح سؤالٍ مؤلم:
من أين يبدأ الولاء؟ من الدم أم من القانون؟
وماذا عن الذين اختاروا العكس، فغلبت عاطفتهم على ضميرهم فسكتوا عن المخربين؟
بين النص القانوني والضغط النفسي وصمت المجتمع، تكشف هذه الواقعة عن خللٍ عميق في علاقتنا بالعدالة… خلل يجعل التستر أحيانًا أسهل من قول الحقيقة رغم أن القانون المغربي يُظهر تسامحا إنسانيًا تجاه روابط الدم، إلا أنه لا يحمي من يتستر. فالفصل 297 من القانون الجنائي يعاقب كل من يُخفي عمدًا شخصًا يعلم أنه ارتكب جناية أو يساعده على الهروب، والفصل 299 يعاقب من يعلم بوقوع جناية أو بمحاولة ارتكابها ويصمت دون إبلاغ السلطات.
بمعنى آخر، الصمت أمام الجريمة لا يُعتبر حيادًا بل تواطؤًا، خاصة حين يكون بدافع الخوف أو المصلحة أو حماية الفاعل من العدالة.
ورغم أن المشرّع يستثني الأب والأم والأقارب المباشرين من العقوبة، إلا أن هذا الإعفاء لا يُلغي المبدأ الأخلاقي: من يتستر يُضعف العدالة، ومن يواجه الحقيقة — كما فعل الأب الذي سلّم ابنه — يُعيد الاعتبار للقانون والأسرة معًا.
فبين العاطفة والقانون، اختار الأب الطريق الأصعب: طريق الضمير.
علم النفس الاجتماعي يفسّر هذا السلوك بما يُعرف بـ”التحيّز الأسري”، أي غلبة العاطفة على الضمير المدني.
الإنسان في مثل هذه الحالات يعيش تناقضًا بين حبّه وضميره.
من جهة، لا يحتمل أن يرى ابنه أو قريبه داخل السجن، ومن جهة أخرى يشعر بالذنب تجاه المجتمع الذي تضرر من الفعل.
هذا الصراع يولّد ما يسميه علماء النفس بـ”الضغط الأخلاقي”، وهو شعور بالاختناق بين قيمتين متعارضتين: الرحمة والعدالة.
وبسبب غياب التربية على مفهوم المواطنة القانونية في الأسرة والمدرسة، يميل الفرد المغربي إلى الانحياز للأسرة بدل الدولة، حتى لو كان على حساب الحق العام.
تكرار مثل هذه الحالات يكشف أن الأسرة المغربية فقدت وظيفة الردع التي كانت تمارسها في السابق.
في الماضي، كانت كلمة الأب أو الأم كافية لتصحيح السلوك قبل أن يتدخل القانون. اليوم، انكسرت تلك الهيبة أمام جيل يعيش قطيعة تربوية، لا يخاف من الأسرة ولا يحترم سلطة الدولة إلا بالعقوبة.
السكوت عن المخرب ليس حيادًا، بل تواطؤ.
ومن يسكت عن الخطأ بحجة العائلة أو الخوف، يشارك بصمته في إنتاج الفوضى نفسها التي يخشاها.
القانون واضح، والضمير أصدق: من رأى ضررًا وسكت، فقد اختار صفّ الضرر.
