لم يعد الفقر في المغرب يرتدي وجها واحدا، فقد تمدد بصمت إلى بيوت كانت إلى وقت قريب تحسب على “الطبقة المتوسطة”، تلك الفئة التي طالما قيل إنها صمام الأمان الاجتماعي وعماد الاستقرار الاقتصادي. غير أن هذا “الدرع” بدأ يتآكل بصمت، تاركا خلفه شعورا جماعيا بالخيبة والضياع.
من كان يظن أن الأستاذ الجامعي والموظف المتوسط وصاحب المشروع الصغير سيجدون أنفسهم اليوم في معركة يومية مع الأسعار، ومع المدرسة الخصوصية، ومع المصحة التي لا ترحم؟ لم تعد الأزمة حكرا على الفئات الهشة، بل أصبحت عنوانا عاما لوضع اجتماعي مرتبك فقد بوصلته.
الطبقة التي بنت أحلامها على التعليم والترقي والوظيفة اكتشفت أن السلم الذي صعدته الدولة لعقود سحب من تحت قدميها، فما عاد التعليم طريقا للنجاح، ولا الوظيفة ضمانة للكرامة، ولا الادخار ممكنا في زمن يلتهم فيه الغلاء كل شيء.
ما يحدث اليوم ليس مجرد “غلاء معيشة”، بل انهيار لنموذج اجتماعي كامل. فالطبقة المتوسطة لم تكن فقط فئة دخل، بل كانت “ثقافة وسطى” تؤمن بالتوازن، والعمل، والمدرسة العمومية، والدولة كضامن للعدالة. حين تنهار هذه القناعة، ينهار معها الإيمان بالمؤسسات، وتتحول الحياة اليومية إلى ساحة شك دائم.
الاحتجاجات التي خرج فيها شباب من جيل جديد ليست فقط صرخة بطالة، بل تعبير عن شعور جماعي بأن الحلم المغربي فقد مضمونه. جيل نشأ على وعود التنمية، ليجد نفسه محاصرا بين واقع اقتصادي يزداد قسوة، وخطاب رسمي يتحدث بلغة الأرقام لا بلغة الناس.
لقد أصبحت السياسات العمومية تدار كما تدار الشركات: أرقام، نسب، ومؤشرات، بينما الحياة بكل ما فيها من معاناة يومية تختزل في جداول إحصاء باردة. هذه المقاربة التقنية فصلت بين الاقتصاد والمجتمع، وبين النمو والمواطن.
الأزمة إذن ليست أزمة ظرفية، بل أزمة ثقة ونموذج. فمن دون طبقة متوسطة قوية، لا يمكن لأي بلد أن يحافظ على توازنه. إنها المرآة التي تعكس ما إذا كان النموذج التنموي عادلا أم مجرد آلة تنتج تفاوتا جديدا كل يوم.
اليوم، تبدو تلك المرآة مكسورة، فالمغربي الذي كان يطمح إلى حياة كريمة بات يعيش على حافة القلق الدائم. وبدل أن تكون الطبقة المتوسطة جسرا بين الفقر والثراء، تحولت إلى منطقة عازلة تغرق ببطء في المستنقع ذاته الذي حاولت طويلا تجاوزه.
قد لا تسمع هذه الأزمة في الشوارع بعد، لكنها تتسرب إلى النفوس بصمت ثقيل، ومع كل سنة تمر تزداد هشاشة الأسر وتتقلص مساحة الأمل. وهذا ما يجعل السؤال الأكبر يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت الطبقة التي كانت “الرهان” قد انهارت، فعلى ماذا تراهن الدولة اليوم؟
