في زمن أصبح فيه المنصب عنوانا للسلطة، والمكاسب المادية مقياسا للنجاح، يظل الوطن هو الحلقة المفقودة في معادلة المسؤولية. كثيرون منا شاهدوا كيف تتحول الرغبة في خدمة الناس إلى سباق خلف المناصب، حيث يتناسى البعض أن الحكم والتمثيل السياسي ليسا مجرد امتيازات، بل واجبات تضطلع بها الضمائر قبل اللوائح الرسمية.
المناصب العليا التي تتصدر المشهد غالبا ما تأتي محملة بالمكاسب المالية والاجتماعية، لكن القليل فقط من شغلتهم هذه المناصب شعور بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن. حين يصبح الجشع للسلطة والمصلحة الشخصية هو الدافع الأساسي، يتحول الدور العام من خدمة الشعب إلى بطاقة مرور لمكتسبات شخصية: سيارات فارهة، مناصب متلاحقة، وحياة اجتماعية مرفهة، بينما الشارع ينزف، والمدارس والمستشفيات تنتظر من يرفع عنها الغبار.
الوطن، للأسف، لا يحتمل هذه الازدواجية. هو يحتاج إلى قادة يفكرون بالناس قبل أنفسهم، إلى من يحملون القيم ويضبطون نزوات المكاسب الفارغة. فالسياسة ليست مجرد جدول أعمال ومؤتمرات صحفية، بل هي دم ينبض في شرايين المجتمع، وكل تأخير أو تقصير في هذا الدم يترك أثره على حياة المواطنين اليومية.
في النهاية، السؤال البسيط والصادم يبقى: هل نحن أمام مسؤولين يختارون المناصب والمكاسب، أم أمام قادة يختارون الوطن؟ الجواب سيحدد مسار البلاد، ويكشف عن مدى وعينا الجماعي بقيمة التضحية والفعل النبيل. الوطن لا يشترى، ولا يستبدل، ولا يخضع لمعادلة الربح والخسارة، فهو أكبر من أي منصب وأسمى من أي مكسب.

